احاديث
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (من سلك طريقًا يلتمسُ فيه علمًا، سهَّل اللهُ له طريقًا إلى الجنَّةِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (مَن يُرِدِ اللهُ بِه خَيرًا يُفقِّهْهُ في الدِّينِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (طلَبُ العِلمِ فَريضةٌ علَى كلِّ مُسلِمٍ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (إذا مات الإنسانُ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ؛ صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنتَفَعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدْعو له)
العقيده الاسلاميه الاسماء والصفات في الاسلام 516 2026-09-11

معنى قول البيهقي «بلا أين» وحكم السؤال: أين الله؟

السؤال
ما المقصود بقول البيهقي إن الله مستوٍ على عرشه «بلا كيف، بلا أين»؟ وهل يجوز السؤال عن الله تعالى بلفظ «أين»؟
الإجابة


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
تفسّر الفتوى قول البيهقي «بلا أين» بأنه مبني على نفيه الجهة والمكان، وعدم إجازته السؤال عن الله بهذا اللفظ. وترجّح جواز السؤال: «أين الله؟»؛ لوروده في حديث الجارية في صحيح مسلم، مع تنزيه الله عن أن يحيط به مكان مخلوق أو يحصره.
المقصود بعبارة البيهقي «بلا أين»
قال البيهقي في «الاعتقاد» إن استواء الله ليس اعتدالًا عن اعوجاج، ولا استقرارًا في مكان، ولا مماسة لشيء من خلقه، ثم قال:
«لكنه مستوٍ على عرشه كما أخبر، بلا كيف، بلا أين».
وتوضح الفتوى أن عبارة «بلا أين» جارية على القول المعروف عند بعض المتكلمين بمنع السؤال عن الله بـ«أين»، بناءً على أن هذا السؤال عندهم يتعلق بالمكان أو الأجسام، والله منزّه عن ذلك.
وبحسب الدراسات التي تنقلها الفتوى، فإن البيهقي يثبت ورود الاستواء في النص، ويفوّض المراد منه إلى الله، وينفي الجهة. فعبارته مرتبطة بهذا التصور، وليست منفصلة عن بقية كلامه في الصفات.
الدليل على جواز السؤال بـ«أين»
استدلت الفتوى بحديث معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه في شأن جاريته، حين سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن عتقها، فقال له: «ائْتِنِي بِهَا».
قال معاوية: فأتيته بها، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم:
«أَيْنَ اللَّهُ؟» قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ. قَالَ: «مَنْ أَنَا؟» قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ». رواه مسلم (537).
ووجه الاستدلال أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل بهذا اللفظ، وأقرّ جواب الجارية؛ ولذلك لا يصح، وفق الترجيح الذي تعتمده الفتوى، منع السؤال به مطلقًا.
وقد استدل عبد الغني المقدسي بالحديث على جواز السؤال. انظر: «الاقتصاد في الاعتقاد» (ص 89).
كما بيّن الذهبي أن الحديث يتضمن مسألتين: مشروعية السؤال «أين الله؟»، وإقرار الجواب «في السماء». انظر: «العلو» (ص 28).
هل السؤال يقتضي أن الله محصور في مكان؟
تفرّق الفتوى بين إثبات علو الله، وبين القول إن مكانًا مخلوقًا يحيط به أو يحصره.
فهي تقرر أن الله فوق سماواته، على عرشه، مع تنزيهه عن الاحتواء والحصر في شيء من مخلوقاته. وبناءً على ذلك، لا تجعل السؤال الوارد في الحديث مستلزمًا للمعنى الذي نفاه البيهقي.
وهذا التفريق أساسي لفهم الجواب: فإثبات السؤال والعلو، بحسب الفتوى، لا يعني تشبيه الله بالأجسام التي تحتويها الأمكنة، ولا تحديد كيفية صفاته.
كيف عرض الباحثون موقف البيهقي؟
نقلت الفتوى عن الدكتور عبد الرحمن المحمود أن تأويل البيهقي لحديث الجارية يدل، في تقديره، على عدم إثباته العلو على المعنى الذي يقرره أصحاب هذا الاتجاه. انظر: «موقف ابن تيمية من الأشاعرة» (2/588).
كما نقلت عن الدكتور أحمد بن عطية الغامدي أن البيهقي يثبت لفظ الاستواء الوارد، ويفوّض معناه، وينفي الجهة. واستدل الغامدي بعبارته «بلا كيف، بلا أين»، وبنصوص أخرى من كلامه.
ومن ذلك أن البيهقي حمل قول ابن المبارك إن الله «بائن من خلقه» على نفي الحلول في المخلوقات، دون إثبات جهة أخرى. كما عرض الغامدي تأويلاته لبعض نصوص العلو والصعود والعروج، وناقشها من منظور مخالف لها. انظر: «البيهقي وموقفه من الإلهيات» (ص 347–352).
فهذه النقول تشرح موقف البيهقي كما فهمه الباحثان، وتعرض نقدهما له، وليست أقوالًا متفقة بين جميع المدارس العقدية.
القول الذي تعتمده الفتوى
ترى الفتوى أن منع السؤال بـ«أين» لا يوافق ظاهر الحديث الصحيح، وأن إثبات العلو هو الموافق لما تنقله عن السلف.
وفي ختامها، تذكر تفسير الاستواء بالعلو والارتفاع، وتضيف إلى ما تنقله عن السلف ألفاظ الجلوس والقعود، كما تحكي إجماعهم على إثبات جهة الفوق. وهذه تقريرات تنسبها الفتوى إلى السلف ضمن استدلالها وترجيحها.
والمقصود المباشر في جواب السؤال أن عبارة البيهقي تعبّر عن اختياره في نفي الجهة وتفويض المعنى، بينما تختار الفتوى جواز السؤال الوارد في حديث الجارية، مع نفي إحاطة المخلوقات بالله.
الخلاصة
«بلا أين» عند البيهقي مرتبطة بنفيه الجهة والمكان. أما الفتوى فترجّح جواز السؤال «أين الله؟» لثبوته في السنة، وتفرّق بين إثبات علو الله وبين توهّم أن مكانًا مخلوقًا يحيط به أو يحصره.
والله أعلم