احاديث
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (من سلك طريقًا يلتمسُ فيه علمًا، سهَّل اللهُ له طريقًا إلى الجنَّةِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (مَن يُرِدِ اللهُ بِه خَيرًا يُفقِّهْهُ في الدِّينِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (طلَبُ العِلمِ فَريضةٌ علَى كلِّ مُسلِمٍ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (إذا مات الإنسانُ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ؛ صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنتَفَعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدْعو له)
العقيده الاسلاميه الاسماء والصفات في الاسلام 825 2026-09-11

تفسير الاستواء بالجلوس: حقيقة النسبة إلى ابن تيمية ودرجات الروايات

السؤال
هل فسّر ابن تيمية استواء الله على العرش بالجلوس؟ وما حقيقة العبارة المنقولة عنه: «إذا جاءهم، وجلس على كرسيه، أشرقت الأرض كلها بأنواره
الإجابة


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
العبارة المذكورة من كلام ابن حامد، نقلها ابن تيمية عنه، وليست من كلام ابن تيمية مباشرة. وتذكر الفتوى أن الجلوس ورد في روايات مختلف في صحتها، وفي تفاسير منقولة عن بعض السلف. كما تعرض قبول السعدي لهذه التفاسير، وتوقف ابن عثيمين في تفسير الاستواء بالجلوس إلا إذا ثبت عن السلف، مع تأكيده أن معنى الاستواء العلو، وكيفيته مجهولة.
العبارة من كلام ابن حامد
نقل ابن تيمية كلام أبي عبد الله الحسن بن حامد البغدادي في مجيء الله يوم القيامة، وفيه الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: 22]، وقوله سبحانه: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر: 69].
ثم وردت العبارة محل السؤال ضمن كلام ابن حامد. انظر: «مجموع الفتاوى» (6/164–166).
وتوضح الفتوى أن الكتاب المتداول بعنوان «الأسماء والصفات» جُمعت مادته من «مجموع الفتاوى»، وليس كتابًا مستقلًّا ألّفه ابن تيمية بهذا العنوان.
كما تذكر أنها لم تقف على كلام مباشر لابن تيمية يفسّر فيه الاستواء بالجلوس، وإنما ينقل الروايات وأقوال غيره في المسألة. ولذلك ينبغي مراعاة الفرق بين كلام المؤلف وما يحكيه عن غيره.
الروايات الواردة ليست على درجة واحدة
من الروايات المذكورة حديث ثعلبة بن الحكم عند الطبراني في «المعجم الكبير» (1364)، وفيه: «إذا قعد على كرسيه لقضاء عباده».
وقد جوّد ابن كثير إسناده، وقال السيوطي إن له طريقًا لا بأس به. لكن الفتوى تعقبت ذلك بأن في إسناده العلاء بن مسلمة، وهو شديد الضعف، وقد اتُّهم بوضع الحديث.
ونقلت نقد المعلمي لهذا الإسناد، وحكم الألباني على الحديث بأنه «موضوع بهذا التمام». انظر: «تفسير ابن كثير» (5/272)، وتعليق المعلمي على «الفوائد المجموعة» (ص 292)، و«السلسلة الضعيفة» (867).
فلا يصح عرض هذه الرواية باعتبارها حديثًا ثابتًا بلا خلاف، بل يجب ذكر النقد الذي نقلته الفتوى بشأنها.
أثر عمر وموقف الذهبي منه
نقلت الفتوى عن الذهبي رواية عن عمر رضي الله عنه بلفظ: «إذا جلس الرب على الكرسي، سُمع له أطيط كأطيط الرحل الجديد».
وذكر الذهبي أن جماعة من المحدثين صححوا هذا الخبر، وأن عددًا من الأئمة رووه وتلقوه بالقبول. كما نقل عن وكيع إنكاره على من استنكر الرواية، ثم اختار الإيمان بها وإيكال علمها إلى الله. انظر: «كتاب العرش» (2/154).
وهذا عرض لموقف الذهبي ومن نقل عنهم، مع بقاء ما قررته الفتوى إجمالًا من وجود خلاف في صحة الروايات الواردة في هذا الباب.
التفاسير المنقولة عن بعض السلف
الثابت في القرآن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5].
وتنقل الفتوى تفسير الاستواء بالجلوس عن خارجة بن مصعب، ورواية عن الحسن وعكرمة بهذا المعنى. كما تذكر نقل ابن القيم، من تفسير السدي، رواية عن ابن عباس بلفظ «قعد». انظر: «السنة» لعبد الله بن أحمد (1/105)، و«اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص 158).
وهذه نقول تعرضها الفتوى للاستدلال على ورود التفسير عن بعض السلف، ولا يلزم من جمعها في هذا الموضع تساوي أسانيدها أو ثبوت كل واحد منها بالدرجة نفسها.
وقد قال السعدي إن الاستواء يُثبت على الوجه اللائق بالله، وذكر الارتفاع والعلو والاستقرار والجلوس ضمن التفاسير الواردة عن السلف. انظر: «الأجوبة السعدية على الأسئلة الكويتية» (ص 146).
تفصيل ابن عثيمين في المسألة
بيّن ابن عثيمين أن الاستواء على الشيء قد يأتي في العربية بمعنى الجلوس، واستشهد بقوله تعالى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف: 13].
لكنه فرّق بين هذا الاستعمال اللغوي وبين تفسير استواء الله به، فقال:
«هذا محل نظر، فإن ثبت عن السلف أنهم فسروا ذلك بالجلوس، فهم أعلم منا بهذا. وإلا؛ ففيه نظر».
ثم أكد أن كيفية الاستواء مجهولة، وأن المعنى الذي لا شك فيه هو العلو، أي علو خاص على العرش، غير العلو العام على المخلوقات. انظر: «لقاء الباب المفتوح» (11/14).
فكلامه يتضمن توقفًا مشروطًا بثبوت النقل، ولا يصح اختصاره في إثبات الجلوس دون هذا التفصيل.
الخلاصة
النص المنسوب إلى ابن تيمية هو نقل عن ابن حامد. وتذكر الفتوى ورود تفسير الاستواء بالجلوس في بعض الآثار، مع اختلاف العلماء في الروايات وموقفهم من هذا التفسير. ويُراعى التفريق بين ثبوت الاستواء بالنص، وصحة الأخبار المفسرة له، والخوض في كيفيته.
والله أعلم.