الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
يد الله تعالى صفة ثابتة بالكتاب والسنة على الوجه اللائق بجلاله، ولا تشبه أيدي المخلوقين. ويجوز بيان هذه الصفة ببعض الأفعال التي أثبتت النصوص تعلقها بها، كالقبض والبسط والأخذ، لكن لا يجوز التوسع في ذلك بإضافة أفعال لم يرد النص بتعلقها باليد، كما أن تعبير «التشابه الوظيفي» ينبغي تجنبه؛ لأنه تعبير محدث قد يوهم معاني غير صحيحة.
الاشتراك في اسم الصفة لا يعني التماثل
قد يطلق الاسم أو وصف الصفة على الله وعلى المخلوق، دون أن يعني ذلك تماثلهما.
فالله سبحانه وصف نفسه بأنه السميع البصير، ووصف الإنسان كذلك فقال:
﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾
[الإنسان: 2]
ومع ذلك فسمع الله ليس كسمع الإنسان، وبصره ليس كبصره. وكذلك ما ثبت لله من اليد والوجه وغيرهما، فصفات الله تليق به، وصفات المخلوق تليق بخلقه وضعفه.
والقاعدة الجامعة هي قوله تعالى:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
[الشورى: 11]
فالآية نفت المماثلة، وفي الوقت نفسه أثبتت السمع والبصر.
نعرف معنى الصفة ولا نعرف كيفيتها
منهج أهل السنة هو إثبات معاني الصفات الواردة في النصوص، مع عدم الخوض في كيفيتها.
ولهذا نقل الإمام الترمذي عن عدد من أئمة السلف في أحاديث الصفات أنهم قالوا: «أمروها بلا كيف».
ونقل عن إسحاق بن راهويه أن التشبيه يكون عندما يقال: يد كيد، أو سمع كسمع؛ أما إثبات اليد والسمع والبصر كما جاءت النصوص، من غير تحديد للكيفية ولا مماثلة للمخلوق، فليس تشبيهًا.
هل يجوز تعريف اليد بالقبض والبسط والأخذ؟
بحسب الفتوى، لا حرج في بيان صفة اليد ببعض ما ثبت في النصوص من الأفعال المتعلقة بها، فيقال مثلًا: هي صفة لله يكون بها القبض والبسط والأخذ والإعطاء، على الوجه اللائق بالله.
وقد جاء في الحديث عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال:
«يَأْخُذُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ سَمَاوَاتِهِ وَأَرَضِيهِ بِيَدَيْهِ»، وذكر الراوي قبض الأصابع وبسطها.
رواه مسلم.
وثبت كذلك في النصوص أن الله خلق آدم بيديه، وأن يديه مبسوطتان، وأن السماوات مطويات بيمينه.
فيمكن الاستعانة بهذه النصوص في فهم ما أخبر الله به عن هذه الصفة، من غير محاولة تصور كيفيتها.
لماذا يُفضَّل ترك عبارة «التشابه الوظيفي»؟
هذه العبارة ليست من التعبيرات المأثورة في باب صفات الله، وقد تؤدي إلى التوسع في قياس صفات الخالق على صفات المخلوق.
فليس كل فعل يفعله الإنسان بيده يجوز أن ينسب إلى يد الله.
فالإنسان مثلًا يأكل ويشرب بيده، والله سبحانه منزه عن الطعام والشراب والحاجة، قال تعالى:
﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾
[الأنعام: 14]
ولهذا لا يصح إنشاء قاعدة عامة تقول إن «وظائف» يد المخلوق تقابلها وظائف مماثلة ليد الله.
الأدق هو القول: نثبت ليد الله ما أثبتته النصوص من الصفات والأفعال، ولا نتجاوزها إلى ما لم يرد.
لا يجوز تعميم ما ورد في بعض المخلوقات
إذا أخبر النص أن الله خلق شيئًا معينًا بيده، فلا يصح أن نعمم ذلك فنقول إن كل مخلوق خلقه الله بيده.
فقد ورد تخصيص آدم عليه السلام بذلك، قال تعالى:
﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾
[ص: 75]
ولهذا لا يصح تعريف يد الله بأنها «اليد التي يستطيع بها أن يخلق»؛ لأن قدرة الله تعالى ليست متوقفة على اليد، بل هو سبحانه على كل شيء قدير، ويخلق ما يشاء كيف يشاء.
قال تعالى:
﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾
[يس: 82-83]
الأصل الوقوف عند النصوص
باب صفات الله من أمور الغيب، ولذلك فإن الطريق الأسلم والأدق هو عدم اختراع تعريفات وتفصيلات لا تدعو إليها الحاجة.
فإذا كانت الصفة معلومة المعنى في لغة العرب، كصفة اليد، أثبتناها لله كما جاءت، وعرفنا بعض ما يتعلق بها من خلال النصوص، مع نفي التمثيل والتكييف.
ولا نحتاج إلى تحديد صورتها أو كيفية عملها، لأن الله لم يخبرنا بذلك.
الخلاصة
يد الله صفة حقيقية ثابتة له سبحانه على الوجه اللائق بجلاله، وليست كأيدي المخلوقين. ويجوز بيانها بما ثبت في الوحي من الأفعال المتعلقة بها، كالقبض والبسط والأخذ، دون التوسع فيما لم يرد.
أما عبارة «التشابه الوظيفي» فالأفضل تجنبها؛ لأنها قد توهم قياس صفات الله على صفات البشر. والأدق أن نقول: نعرف معنى الصفة وما أخبرنا الوحي من آثارها وأفعالها، أما كيفيتها فمجهولة لنا:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
[الشورى: 11].
والله أعلم.