الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
نزول الله تعالى إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل ثابت في السنة الصحيحة، ويُثبت على الوجه اللائق بالله من غير تشبيه ولا تكييف. ولا يتعارض ذلك مع علم الله وإحاطته بعباده في كل وقت، ولا يعني أن الله يحتاج إلى النزول حتى يسمع دعاءهم؛ فهو سبحانه يسمعهم ويعلم أحوالهم دائمًا، وإنما للنزول في هذا الوقت فضيلة خاصة أخبر بها النبي ﷺ. كما أن عدم ذكر صفة النزول في القرآن لا يمنع ثبوتها بالسنة؛ لأن السنة وحي ومبيِّنة للقرآن.
هل السنة حجة فيما لم يرد تفصيله في القرآن؟
القرآن نفسه أمر باتباع الرسول ﷺ، وبين أن مهمته تشمل بيان الوحي للناس.
قال تعالى:
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾
[النجم: 3-4]
وقال سبحانه:
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾
[النحل: 44]
ولهذا لا يشترط لصحة كل عقيدة أو حكم ثبت بالسنة أن يرد بتفصيله نفسه في القرآن. فكثير من تفاصيل الصلاة والزكاة والحج وغيرها عُرفت من سنة النبي ﷺ.
وبناءً على ذلك، فلا تعارض بين اتباع القرآن والإيمان بحديث صحيح عن رسول الله ﷺ.
ما الدليل على نزول الله في الثلث الأخير من الليل؟
ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:
«يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟»
رواه البخاري ومسلم.
وقد قرر جماعة من أئمة الحديث أن أحاديث النزول جاءت من طرق كثيرة، وأثبت السلف هذه الصفة مع امتناعهم عن تحديد كيفيتها.
هل النزول يتعارض مع علو الله؟
بحسب الفتوى، الله تعالى فوق خلقه مستوٍ على عرشه، ونزوله إلى السماء الدنيا لا يُقاس بنزول المخلوق.
فالإنسان إذا نزل من مكان إلى مكان لزم من ذلك أحكام تتعلق بجسمه ومكانه وحركته، لكن لا يجوز أن نجعل هذه الأحكام مقياسًا لأفعال الله.
ولهذا كان منهج السلف في صفة النزول: إثبات النزول كما ورد، مع تفويض كيفيته إلى الله.
قال تعالى:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
[الشورى: 11]
فنحن نعرف معنى النزول في أصل اللغة، لكننا لا نعرف كيف ينزل الله؛ لأن النص لم يخبرنا بالكيفية.
كيف يكون الله فوق عرشه ومع عباده أينما كانوا؟
قال تعالى:
﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾
[المجادلة: 7]
والآية نفسها تبدأ ببيان علم الله وتنتهي بقوله:
﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
وبحسب تفسير الفتوى، فهذه المعية تتضمن علم الله وإحاطته بعباده؛ فلا يخفى عليه كلامهم ولا أعمالهم، مع إثبات علوه سبحانه.
وكذلك قوله تعالى:
﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾
[الأنعام: 3]
لا يعني أن ذات الله حالّة في الأرض، وإنما هو إله من في السماوات وإله من في الأرض، ولا يخفى عليه شيء.
هل ينزل الله حتى يسمع دعاءنا؟
لا. الله يسمع دعاء عباده في جميع الأوقات والأماكن، ويعلم ما في صدورهم قبل أن يتكلموا.
قال تعالى:
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾
[البقرة: 186]
إذن فالنزول ليس سببه أن الله لا يسمع الدعاء من فوق، وإنما أخبرنا النبي ﷺ عن فضيلة خاصة للثلث الأخير من الليل، وأنه وقت عظيم للدعاء والاستغفار والتوبة.
والحكمة التفصيلية من كيفية هذا النزول لم يخبرنا الله بها، فلا نتكلف ما لم يرد.
لماذا لم يذكر القرآن النزول صراحة؟
ليس القرآن هو المصدر الوحيد لتفاصيل الشريعة، بل جعل الله سنة رسوله ﷺ بيانًا له، وأمر المسلمين بطاعة الرسول.
لذلك فالسؤال ليس: «هل وردت صفة النزول في القرآن؟» فقط، وإنما: هل ثبتت عن رسول الله ﷺ؟
فإذا ثبت الحديث، وجب قبوله، ما دام لا يعارض القرآن معارضة حقيقية. وفي هذه المسألة لا يوجد تعارض؛ فالقرآن يثبت علم الله وقربه ومعيته لعباده، والسنة تثبت نزوله في وقت مخصوص، وكل ذلك يُفهم على الوجه اللائق بالله.
الخلاصة
نزول الله إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل ثابت بالسنة الصحيحة، ولا يعني أن الله يحتاج إلى النزول حتى يسمع الدعاء؛ فهو يسمع ويعلم كل شيء في جميع الأوقات.
كما أن معية الله وقربه من عباده لا تتعارض، بحسب الفتوى، مع علوه فوق خلقه. ونثبت النزول كما أخبر به النبي ﷺ، لكننا لا نحدد كيفيته ولا نشبهه بنزول المخلوقين.
والمقصود العملي من الحديث أن يغتنم المؤمن الثلث الأخير من الليل بالدعاء والاستغفار والعبادة، مستبشرًا بقول ربه:
«مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟»
والله أعلم.