احاديث
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (من سلك طريقًا يلتمسُ فيه علمًا، سهَّل اللهُ له طريقًا إلى الجنَّةِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (مَن يُرِدِ اللهُ بِه خَيرًا يُفقِّهْهُ في الدِّينِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (طلَبُ العِلمِ فَريضةٌ علَى كلِّ مُسلِمٍ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (إذا مات الإنسانُ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ؛ صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنتَفَعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدْعو له)
العقيده الاسلاميه الاسماء والصفات في الاسلام 862 2026-09-12

كيف يغضب الله على المعصية مع علمه السابق بوقوعها؟

السؤال
إذا كان الله تعالى يعلم قبل وقوع الأحداث كل ما سيفعله عباده، فكيف يغضب عليهم عندما تقع منهم المعاصي والمنكرات؟ وكيف نفهم غضبه على من قتل الأنبياء مع أنه سبحانه كان يعلم مسبقًا أن ذلك سيحدث؟ وهل ثبت نص خاص في غضب الله بسبب قتل يحيى عليه السلام؟
الإجابة

 

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

 

علم الله السابق بما سيفعله العباد لا يتعارض مع محبته للطاعة عند وقوعها أو غضبه على المعصية عند وقوعها؛ فالله يعلم أزلًا ما سيحدث، ثم تقع أفعال العباد كما علمها سبحانه، فيحب من الأعمال والأقوال ما يستحق المحبة، ويبغض ويغضب على ما يستحق البغض والغضب. أما قتل يحيى عليه السلام، فلم تقف الفتوى على حديث صحيح يذكر غضب الله بسبب مقتله بخصوصه.

 

علم الله شامل لما كان وما سيكون

 

الله سبحانه يعلم جميع الأشياء قبل وقوعها، ولا يحدث في الكون شيء لم يكن معلومًا له.

 

قال تعالى:

 

﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾

[الأنعام: 59]

 

وقال سبحانه:

 

﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾

[الحديد: 22]

 

فعلم الله لا يسبقه جهل، ولا يفاجئه وقوع شيء لم يكن يعلمه.

 

هل الغضب يعني أن الله فوجئ بالمعصية؟

 

لا. وهذه نقطة مهمة لفهم المسألة.

 

غضب الله عند وقوع المعصية لا يعني أنه علم بها عند وقوعها بعد أن كان يجهلها، ولا أنه فوجئ بما فعله العبد.

 

فالله كان يعلم أن المعصية ستقع، ويعلم فاعلها وزمانها وجميع تفاصيلها قبل وقوعها، ثم إذا وقعت المعصية التي تستوجب غضبه غضب على فاعلها على الوجه اللائق به سبحانه.

 

وكذلك الطاعة؛ فالله يعلم قبل وقوعها أن العبد سيطيعه، ومع ذلك يحبه ويرضى عنه عند وقوع ما يحبه ويرضاه.

 

إذن هناك فرق بين علم الله السابق بالفعل وبين ما يترتب على وقوع الفعل من محبة أو رضا أو غضب.

 

القرآن يربط غضب الله بأفعال العباد

 

قال تعالى:

 

﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾

[البقرة: 61]

 

فجعل الله كفرهم وقتلهم الأنبياء من أسباب غضبه عليهم، مع أن هذه الأعمال لم تكن خافية عليه قبل وقوعها.

 

وقال سبحانه:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾

[الممتحنة: 13]

 

فثبوت علم الله السابق لا يلغي حقيقة ما يقع من العباد، ولا يلغي ما يترتب على أعمالهم من ثواب أو عقاب ومحبة أو غضب.

 

السنة تثبت غضب الله عند وقوع ما يستوجبه

 

ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال فيمن آذوا النبي ﷺ يوم أُحد:

 

«اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ فَعَلُوا بِنَبِيِّهِ»

رواه البخاري.

 

والله سبحانه كان يعلم قبل وقوع أُحد ما سيفعله هؤلاء، ومع ذلك أخبر النبي ﷺ عن شدة غضب الله عليهم بسبب فعلهم.

 

وكذلك جاءت السنة بإثبات محبة الله لأعمال وأشخاص، وبغضه لأعمال وأشخاص آخرين، مع إحاطة علمه سبحانه بأفعال الجميع قبل أن تقع.

 

هل علم الله السابق يجبر الإنسان على المعصية؟

 

علم الله بأن الإنسان سيفعل شيئًا ليس هو الذي أجبره على فعله.

 

فالإنسان يفعل بإرادة واختيار أعطاهما الله له، ولذلك يُحاسب على اختياره. أما الله سبحانه فقد علم مسبقًا ما سيختاره العبد.

 

فالعلم بالشيء لا يعني إجبار صاحبه عليه.

 

ولهذا لا يصح أن يحتج الإنسان بالقدر على معصيته؛ لأن المعصية صدرت منه باختياره، وهو لا يعلم ما كُتب له قبل أن يفعل.

 

ماذا عن غضب الله بسبب قتل يحيى عليه السلام؟

 

لم تقف الفتوى على حديث صحيح يثبت بخصوصه أن الله غضب بسبب قتل يحيى عليه السلام.

 

ولذلك لا ينبغي نسبة حديث أو خبر معين إلى النبي ﷺ دون دليل صحيح.

 

لكن قتل الأنبياء من أعظم الجرائم، وقد أخبر القرآن صراحة عن غضب الله على أقوام بسبب كفرهم وقتلهم الأنبياء بغير حق، كما في قوله تعالى:

 

﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾

[البقرة: 61]

 

أما تخصيص مقتل يحيى عليه السلام بخبر معين عن غضب الله، فيحتاج إلى دليل صحيح.

 

الخلاصة

 

لا تعارض بين علم الله السابق وبين غضبه عند وقوع المعصية؛ فالله يعلم أزلًا ما سيحدث، ثم تقع أفعال العباد باختيارهم، فيحب سبحانه الطاعة ويرضى عنها، ويبغض المعصية ويغضب على من يستحق غضبه.

 

وغضب الله لا يعني حدوث علم جديد له أو مفاجأته بالفعل، بل علمه كامل سابق لكل شيء، وغضبه صفة ثابتة له على الوجه اللائق بجلاله.

 

أما القول بوجود نص خاص في غضب الله بسبب قتل يحيى عليه السلام، فلم يثبت بحسب ما وقفت عليه الفتوى، فلا ينسب إلى الشرع ما لم يصح دليله.

والله اعلم