احاديث
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (من سلك طريقًا يلتمسُ فيه علمًا، سهَّل اللهُ له طريقًا إلى الجنَّةِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (مَن يُرِدِ اللهُ بِه خَيرًا يُفقِّهْهُ في الدِّينِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (طلَبُ العِلمِ فَريضةٌ علَى كلِّ مُسلِمٍ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (إذا مات الإنسانُ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ؛ صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنتَفَعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدْعو له)
العقيده الاسلاميه الاسماء والصفات في الاسلام 885 2026-09-12

ما معنى إحاطة الله بكل شيء؟ وهل هي إحاطة بالذات؟

السؤال
قال الله تعالى عن نفسه إنه محيط بكل شيء، فهل المقصود أن علمه وقدرته يحيطان بجميع المخلوقات، أم أن ذاته سبحانه تحيط بالخلق من جميع الجهات؟ وكيف نفهم الإحاطة مع إثبات علو الله فوق خلقه؟
الإجابة

 

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

 

إحاطة الله تعالى بخلقه هي إحاطة علم وقدرة وسلطان؛ فلا يخرج شيء عن علمه، ولا يعجزه شيء، وجميع الخلق تحت قدرته وتدبيره. ولا تعني الإحاطة أن المخلوقات موجودة داخل ذات الله، أو أن ذاته تحيط بالعالم كإحاطة جسم بجسم؛ فهذا المعنى غير مراد. وبحسب الفتوى، الله سبحانه فوق خلقه، بائن منهم، مع إحاطة علمه وقدرته بكل شيء.

 

القرآن يفسر الإحاطة بالعلم والقدرة

 

جاء بيان إحاطة الله بالعلم صريحًا في قوله تعالى:

 

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾

[الطلاق: 12]

 

فالآية جمعت بين كمال القدرة وكمال العلم.

 

ومعنى إحاطة العلم أن الله يعلم كل شيء: ظاهره وباطنه، وماضيه وحاضره ومستقبله، ودقيقه وجليله، فلا يغيب عن علمه شيء.

 

أما إحاطة القدرة فتعني أن جميع المخلوقات تحت قدرته وسلطانه، ولا يستطيع أحد الخروج عن مشيئته وتدبيره.

 

ما معنى قوله: ﴿قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾؟

 

قال تعالى:

 

﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾

[الفتح: 21]

 

ذكر المفسرون أن الإحاطة هنا تتضمن القدرة؛ أي إن المسلمين لم يكونوا قادرين على هذه المغانم في ذلك الوقت، لكن الله قادر عليها، وقد جعلها لهم.

 

ولهذا ختمت الآية بقوله:

 

﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾.

 

فالإحاطة هنا ليست وصفًا لمكان، وإنما بيان لكمال سلطان الله وقدرته.

 

ما معنى قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾؟

 

قال تعالى:

 

﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾

[الإسراء: 60]

 

فسر الطبري هذه الإحاطة بأنها إحاطة قدرة؛ فالناس في قبضة الله وسلطانه، ولا يستطيعون الخروج عن مشيئته.

 

ونقل عن مجاهد قوله: «فهم في قبضته»، كما رُوي عن الحسن وغيره تفسيرها بحفظ الله لنبيه ﷺ ومنعه من الناس.

 

فالآية تبعث الطمأنينة في قلب النبي ﷺ بأن أعداءه، مهما بلغت قوتهم، لا يخرجون عن سلطان الله.

 

هل قوله ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ يعني إحاطة مكانية؟

 

قال تعالى:

 

﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾

[البقرة: 19]

 

وقال:

 

﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾

[فصلت: 54]

 

وقال سبحانه:

 

﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾

[البروج: 20]

 

لا تعني هذه الآيات أن الكافرين أو سائر المخلوقات موجودون داخل ذات الله، وإنما المقصود إحاطة علمه وقدرته وسلطانه بهم؛ فلا يفوتونه ولا يعجزونه، ولا يخفى عليه شيء من أعمالهم.

 

هل يصح تشبيه إحاطة الله بإحاطة السماء بالأرض؟

 

الأفضل عدم جعل هذا التشبيه تفسيرًا لحقيقة إحاطة الله؛ لأن إحاطة المخلوقات بعضها ببعض إحاطة مادية لها كيفية معلومة أو قابلة للتصور.

 

أما إحاطة الله فلا يجوز أن نتصورها على هيئة إحاطة جسم بجسم.

 

وقد جاء في شرح العقيدة الطحاوية في تفسير قول الطحاوي عن الله: «محيط بكل شيء وفوقه»، أن المراد ليس أن الله يحيط بالمخلوقات كإحاطة الفلك بما بداخله، بحيث تكون المخلوقات داخل ذاته سبحانه.

 

وإنما المراد إحاطة العظمة والعلم والقدرة والسلطان.

 

كيف تجتمع الإحاطة مع علو الله؟

 

لا تعارض بين الأمرين.

 

فبحسب ما تقرره الفتوى، الله سبحانه فوق خلقه، بائن منهم، وفي الوقت نفسه علمه محيط بكل شيء وقدرته نافذة في كل شيء.

 

فعلو الله لا يعني أن شيئًا يخفى عليه لبعده، كما أن إحاطة علمه وقدرته لا تعني حلوله في المخلوقات أو وجود المخلوقات في ذاته.

 

وهذا هو المقصود بعبارة الطحاوي:

 

«محيط بكل شيء وفوقه».

 

أي أن جميع المخلوقات تحت علم الله وقدرته وسلطانه، وهو سبحانه فوق خلقه.

 

هل تدخل الرحمة في معنى الإحاطة؟

 

رحمة الله واسعة، وقد قال سبحانه:

 

﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾

[الأعراف: 156]

 

لكن عندما يرد في القرآن وصف الله بأنه محيط بكل شيء، فإن أوضح ما دلت عليه النصوص في تفسير هذه الإحاطة هو العلم والقدرة والسلطان بحسب السياق.

 

ولهذا فالأدق عدم تحويل لفظ «الإحاطة» إلى مصطلح يشمل كل صفة من صفات الله دون دليل، بل يُفسر كل نص بحسب سياقه.

 

الخلاصة

 

معنى أن الله بكل شيء محيط: أنه سبحانه قد أحاط بجميع المخلوقات علمًا وقدرة وسلطانًا؛ فلا يخفى عليه شيء، ولا يعجزه شيء، ولا يخرج أحد عن ملكه وتدبيره.

 

ولا تعني الإحاطة أن المخلوقات داخل ذات الله، ولا أن الله يحيط بها إحاطة جسم بجسم.

 

وبحسب الفتوى، يجتمع إثبات الإحاطة مع إثبات علو الله؛ فهو سبحانه فوق خلقه، بائن منهم، وعلمه وقدرته وسلطانه محيطة بكل شيء.

 

قال تعالى:

 

﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾

[فصلت: 54]

 

والله أعلم