الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
ورد وصف الله تعالى في القرآن بقوله: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾، لكن لفظ «الرفيع» لم يرد في القرآن اسمًا مطلقًا مجردًا من الإضافة. وقد أثبت بعض أهل العلم «الرفيع» ضمن أسماء الله الحسنى اعتمادًا على بعض روايات سرد الأسماء التسعة والتسعين أو استنباطًا من القرآن، بينما توقف آخرون لأن النص جاء مقيدًا بـ«رفيع الدرجات». ولذلك فالمسألة من مسائل الاجتهاد، والأحوط الوقوف مع اللفظ القرآني: «رفيع الدرجات».
أسماء الله تعالى توقيفية
الأصل في أسماء الله أنها توقيفية، فلا يسمى الله تعالى إلا بما دل عليه القرآن أو السنة الصحيحة.
قال تعالى:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾
[الإسراء: 36]
ولهذا لا يجوز أن نشتق لله اسمًا من كل فعل أو وصف ورد في النصوص دون النظر في دلالة النص وطريقة وروده.
وقد قرر العلماء أن باب الإخبار عن الله أوسع من باب أسمائه الحسنى، وأن مجرد صحة معنى لفظ ما لا تكفي وحدها لإثباته اسمًا لله.
أسماء الله ليست محصورة في تسعة وتسعين اسمًا
ثبت عن النبي ﷺ قوله:
«إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ»
رواه البخاري ومسلم.
لكن هذا لا يعني أن أسماء الله كلها محصورة في تسعة وتسعين.
ومن الأدلة على ذلك دعاء النبي ﷺ:
«أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ...»
رواه أحمد.
فدل ذلك على أن لله أسماء استأثر بعلمها.
هل ثبت سرد الأسماء التسعة والتسعين؟
ورد عند الترمذي وغيره حديث يسرد الأسماء التسعة والتسعين واحدًا واحدًا، لكن العلماء اختلفوا في ثبوت هذا السرد.
فقد ضعفه عدد من أئمة الحديث، ومنهم ابن تيمية وابن حجر، وذهب جماعة من الحفاظ إلى أن سرد الأسماء مدرج من بعض الرواة وليس من كلام النبي ﷺ.
وفي المقابل، صحح بعض أهل العلم بعض روايات التعيين، ومنهم ابن حبان والحاكم، وحسن النووي الحديث.
ولهذا اجتهد العلماء بعد ذلك في استخراج الأسماء الحسنى من القرآن والسنة، فاتفقوا على عدد كبير منها واختلفوا في بعضها.
أين ورد لفظ «الرفيع» في القرآن؟
قال الله تعالى:
﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾
[غافر: 15]
وهنا جاءت كلمة «رفيع» مقيدة بالإضافة إلى «الدرجات»، ولم يرد في القرآن - بحسب الفتوى - إطلاق «الرفيع» وحده اسمًا لله كما ورد مثلًا اسم «العلي».
وهذه النقطة هي أساس الخلاف بين العلماء في عدِّه من الأسماء الحسنى.
لماذا أثبت بعض العلماء اسم «الرفيع»؟
ورد «الرفيع» في بعض الروايات التي تسرد الأسماء الحسنى، وإن كان ثبوت هذا السرد محل خلاف.
كما أثبته بعض العلماء باجتهادهم في استخراج الأسماء من القرآن.
ومن هؤلاء الحافظ ابن حجر، فقد تتبع أسماء الله الواردة في القرآن، وذكر «الرفيع» ضمن ما استخرجه منها.
كما ورد الاسم في بعض القوائم المنقولة عن علماء آخرين.
ولهذا فمن عدَّ «الرفيع» من أسماء الله اعتمادًا على هذا الاستنباط أو اتباعًا لمن أثبته من أهل العلم، فقد اعتمد على قول علمي معروف، وليست المسألة مما ينكر فيه على المخالف.
لماذا توقف علماء آخرون في إثباته؟
ذهب آخرون إلى أن طريقة ورود اللفظ في القرآن ينبغي مراعاتها.
فالقرآن لم يقل عن الله مطلقًا: «الرفيع»، وإنما قال:
﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾.
وقد نبّه القاضي أبو بكر ابن العربي إلى هذا الفرق، فذكر أن اسم «العلي» ورد مطلقًا، بينما جاء «رفيع» مقيدًا بالإضافة، ولذلك رأى المحافظة على القيد الذي جاء به النص.
ومن هنا لم يذكر كثير من العلماء «الرفيع» في قوائمهم للأسماء الحسنى.
هل الأفضل أن نقول «الرفيع» أم «رفيع الدرجات»؟
نظرًا إلى الخلاف، فإن الالتزام باللفظ القرآني الصريح هو الأسلم والأبعد عن الإشكال، فنقول عن الله تعالى:
«رفيع الدرجات»
كما قال سبحانه عن نفسه.
أما من قال «الرفيع» وعدَّه من أسماء الله الحسنى اتباعًا لبعض أهل العلم الذين أثبتوه، فلا ينكر عليه؛ لأن المسألة اجتهادية وقد قال بهذا الاسم عدد من العلماء.
الخلاصة
لم يرد اسم «الرفيع» مطلقًا في القرآن بنص صريح، وإنما ورد قوله تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾ [غافر: 15].
وقد أثبت بعض العلماء «الرفيع» اسمًا لله استنباطًا من هذه الآية أو اعتمادًا على بعض روايات سرد الأسماء الحسنى، بينما توقف آخرون لأن النص جاء مقيدًا ولم يرد الاسم مطلقًا.
لذلك فإثباته من مسائل الاجتهاد السائغ، والأحوط والأقرب إلى الوقوف مع النص أن يقال: «رفيع الدرجات»، ومن أثبت «الرفيع» اتباعًا لمن أثبته من أهل العلم فلا حرج عليه.
والله أعلم