الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
يجوز استعمال عبارة «اهتم الله بكذا» من باب الإخبار إذا كان المقصود بالاهتمام المعنى العرفي، أي: العناية بالشيء وإبراز شأنه، وكان هذا المعنى ثابتًا في النصوص. ولا يعني ذلك إثبات «الاهتمام» صفةً لله أو اشتقاق اسم له منه. أما إذا كان الكلام يوهم معنى نقص، أو نُسبت إلى الله عناية خاصة بشيء دون دليل، فلا يصح استعماله.
الفرق بين أسماء الله وصفاته والإخبار عنه
من المهم التفريق بين ثلاثة أبواب: الأسماء، والصفات، والإخبار عن الله.
فأسماء الله تعالى توقيفية، فلا يسمى سبحانه إلا بما ثبت في القرآن أو السنة.
قال تعالى:
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾
[الأعراف: 180]
ولهذا لا يصح أن نشتق لله اسمًا من كل فعل أو معنى صحيح، فنقول مثلًا: إن «المهتم» من أسماء الله؛ لأنه لم يثبت بهذا اللفظ.
وكذلك باب الصفات يعتمد على ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ، على الوجه اللائق بالله، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل.
أما باب الإخبار عن الله فهو أوسع من باب الأسماء والصفات.
ماذا يعني أن باب الإخبار أوسع؟
يجوز الإخبار عن الله بألفاظ صحيحة المعنى لم ترد باعتبارها أسماء أو صفات شرعية، ما دامت لا تتضمن نقصًا أو معنى باطلًا.
ولهذا ذكر العلماء جواز الإخبار عن الله بأنه موجود أو بأنه ذات، مع أن «الموجود» مثلًا لا يثبت بذلك اسمًا من أسمائه الحسنى.
ونقل ابن تيمية التفريق بين الدعاء والإخبار، فقال إن الله لا يُدعى إلا بأسمائه الحسنى، أما الإخبار عنه فأوسع، بشرط ألا يكون اللفظ متضمنًا لمعنى سيئ.
وبناء على ذلك: ليس كل لفظ يجوز الإخبار به عن الله يصبح اسمًا أو صفة له.
ماذا تعني عبارة «اهتم الله بكذا»؟
لفظ «الاهتمام» في الاستعمال العربي المعاصر يراد به غالبًا العناية بالشيء وإبراز أهميته والاعتناء بذكره.
فإذا قال شخص: «اهتم القرآن بهذه القضية»، أو «اهتم الشرع بهذا الأمر»، فهو لا يقصد عادة الهم والحزن، وإنما يقصد كثرة العناية به وبيان شأنه.
وعلى هذا المعنى العرفي، ذكرت الفتوى أنه لا حرج في الإخبار عن الله بهذا التعبير إذا كان المقصود واضحًا وصحيحًا.
فيمكن أن يقال مثلًا: «اهتم الله بذكر موسى عليه السلام وقصته مع بني إسرائيل»، إذا كان المراد أن القرآن اعتنى بذكر قصته وكررها وبيّن ما فيها من العبر.
هل «الاهتمام» صفة لله؟
لا يلزم من جواز العبارة أن نقول إن «الاهتمام» صفة من صفات الله، أو أن «المهتم» اسم من أسمائه الحسنى.
فالقاعدة هنا:
ما صح اسمًا لله دل على صفة ويصح الإخبار به، وما ثبت صفةً صح الإخبار به، لكن ليس كل ما جاز الإخبار به عن الله يكون اسمًا أو صفةً له.
ولهذا ينبغي التفريق بين قولنا في سياق لغوي: «اهتم الله ببيان هذا الأمر»، وبين تقرير عقائدي مثل: «الاهتمام من صفات الله».
الأول قد يصح من باب الإخبار بحسب معناه وسياقه، أما الثاني فيحتاج إلى دليل من الوحي.
هل يحمل «الاهتمام» معنى الهم؟
قد يأتي أصل اللفظ في اللغة مرتبطًا بالهم، وهذا المعنى لا يُراد عند استعمال كلمة «اهتم» بمعنى اعتنى.
ولذلك ينبغي مراعاة المعنى الذي يفهمه الناس من العبارة.
فإن كان اللفظ في سياق معين سيفهم منه معنى نقص أو قلق أو هم، فالأولى تجنبه؛ لأن الله سبحانه منزه عن صفات النقص.
أما إذا كان المعنى العرفي الواضح هو العناية وإبراز أهمية الأمر، فهذا هو المعنى الذي أجازت الفتوى الإخبار به.
هل يصح قول: «اهتم الله بمصر فذكرها في القرآن»؟
بحسب الفتوى، لا يصح الاستدلال بمجرد ذكر شيء في القرآن على أن الله خصه بعناية أو اهتمام خاص.
فورود اسم بلد أو شخص أو مكان قد يكون تابعًا لسياق قصة أو حكم، ولا يعني وحده أن له منزلة خاصة.
ولهذا اعترضت الفتوى على عبارة: «اهتم الله بمصر فذكرها في القرآن»؛ لأن مجرد ورود مصر في سياق قصتي يوسف وموسى عليهما السلام لا يكفي لإثبات عناية خاصة بها بهذا المعنى.
إذن لا بد أن يكون مضمون الخبر نفسه ثابتًا، لا أن نستنتج عناية خاصة بمجرد ورود الاسم في النص.
ما الألفاظ الأفضل؟
مع جواز «اهتم» بالمعنى السابق، يمكن استعمال ألفاظ أوضح وأبعد عن الاحتمال، مثل:
«اعتنى القرآن ببيان هذه المسألة»، أو «جاءت النصوص بالعناية بهذا الأمر»، أو «كرر الله ذكر هذا الأمر في القرآن لبيان أهميته»، إذا كان ذلك ثابتًا بالفعل.
فهذه العبارات أكثر وضوحًا ولا تحتمل معنى الهم أو القلق.
الخلاصة
يجوز قول «اهتم الله بكذا» إذا كان المقصود المعنى العرفي الصحيح، أي العناية بالشيء وإبراز شأنه، وكان هناك ما يدل على هذه العناية. وهذا من باب الإخبار عن الله، وليس إثباتًا لاسم «المهتم» أو صفة مستقلة تسمى «الاهتمام».
أما استعمال العبارة بمعنى يتضمن الهم أو القلق فلا يجوز في حق الله، كما لا يصح ادعاء أن الله خص شيئًا بعناية خاصة دون دليل.
والأولى عند احتمال الالتباس استعمال ألفاظ أوضح مثل: «اعتنى الشرع بهذا الأمر» أو «اعتنى القرآن ببيانه».
والله أعلم