احاديث
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (من سلك طريقًا يلتمسُ فيه علمًا، سهَّل اللهُ له طريقًا إلى الجنَّةِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (مَن يُرِدِ اللهُ بِه خَيرًا يُفقِّهْهُ في الدِّينِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (طلَبُ العِلمِ فَريضةٌ علَى كلِّ مُسلِمٍ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (إذا مات الإنسانُ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ؛ صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنتَفَعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدْعو له)
العقيده الاسلاميه الاسماء والصفات في الاسلام 1129 2026-09-12

معنى أن الله فوق العالم؟ وهل يحيط به مكان أو حد؟

السؤال
ما المقصود بقول أهل العلم إن الله تعالى فوق العالم؟ وهل معنى ذلك أن هناك مكانًا وراء الكون يوجد الله فيه؟ وهل يصح القول إن الله لا يحويه زمان ولا مكان؟ وكيف نفهم كلام بعض العلماء في إثبات «الحد» لله، مع أن هذا اللفظ لم يرد في القرآن والسنة؟
الإجابة

 

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

 

بحسب ما تقرره الفتوى، فإن الله تعالى هو العلي الأعلى، فوق جميع مخلوقاته، مستوٍ على عرشه، بائن عن خلقه، ولا يحويه مكان مخلوق ولا يحيط به زمان أو شيء من خلقه. أما لفظ «الحد» فلم يرد في القرآن والسنة وصفًا لله، ولذلك اختلف أهل السنة في استعماله: فمن استعمله أراد به أن الله متميز عن خلقه غير حالٍّ فيهم، ومن امتنع عنه فلأنه لفظ مجمل لم يرد به النص. والأولى استعمال الألفاظ الشرعية الواضحة وتجنب الألفاظ المحتملة إلا عند الحاجة إلى بيان معناها.

 

ماذا يعني أن الله فوق العالم؟

 

دلت نصوص القرآن على علو الله تعالى، ومن ذلك قوله سبحانه:

 

﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾

[الأعلى: 1]

 

وقال تعالى:

 

﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾

[البقرة: 255]

 

وبحسب الفتوى، فإن علو الله يتضمن أنه سبحانه فوق خلقه وفوق عرشه، بائن عن مخلوقاته، وليس حالًّا فيها ولا مختلطًا بها.

 

لكن هذا لا يعني أن الله موجود داخل مكان مخلوق يحيط به، كما يحيط البيت بالإنسان أو الإناء بما بداخله؛ فالله هو خالق الأماكن ولا يحويه شيء من مخلوقاته.

 

هل يوجد «مكان وراء الكون» يحوي الله؟

 

ليس المقصود بقولنا إن الله فوق العالم إثبات مكان آخر مخلوق وراء الكون يحتويه.

 

فالفتوى تفرق بين العلو وبين المكان المخلوق المحيط.

 

وما وراء العالم المخلوق لا يلزم أن يكون عالمًا ماديًا آخر أو وعاءً يحتوي ما فيه. ولذلك لا يصح تصور علو الله على طريقة وجود الأجسام بعضها بالنسبة إلى بعض.

 

فالله تعالى لا يحتاج إلى مكان يحمله أو يحتويه، بل هو غني عن جميع خلقه.

 

هل يصح القول إن الله «وراء الزمان والمكان»؟

 

هذه العبارة لم ترد بهذا اللفظ في النصوص، كما أنها ليست العبارة المشهورة في متن العقيدة الطحاوية.

 

والذي قاله الإمام الطحاوي:

 

«تعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات».

 

والمعنى الصحيح الذي يمكن التعبير عنه هو أن الزمان والمكان من خلق الله، ولا يحيط بالله شيء من مخلوقاته.

 

أما الألفاظ المجملة مثل «وراء الزمان والمكان» فقد يفهم منها أكثر من معنى، ولذلك تكون العبارات الشرعية الواضحة أولى.

 

ماذا يقصد الطحاوي بقوله: «لا تحويه الجهات الست»؟

 

المقصود بحسب تفسير الفتوى أن الجهات المخلوقة لا تحيط بالله سبحانه ولا تحتويه.

 

فإذا قال شخص: «الله ليس في جهة» وأراد أنه ليس داخل جهة مخلوقة تحيط به وتحتويه، فهذا معنى صحيح.

 

أما إذا أراد بذلك نفي علو الله وفوقيته على خلقه، فهذا يخالف ما تقرره الفتوى من إثبات العلو.

 

ولهذا فإن لفظ «الجهة» نفسه من الألفاظ المجملة التي تحتاج إلى معرفة مراد المتكلم، بدل إثباتها أو نفيها بإطلاق.

 

ما المقصود بلفظ «الحد»؟

 

لفظ «الحد» من أكثر الألفاظ التي تحتاج إلى تحرير؛ لأنه لم يرد في القرآن والسنة اسمًا أو صفة لله.

 

وقد استعمله بعض علماء السلف بمعنى معين، وهو تميّز الله عن خلقه وبينونته عنهم، وليس بمعنى أن شيئًا من المخلوقات يحيط بالله أو يضع له حدودًا.

 

ونقل عن عبد الله بن المبارك أنه سئل:

 

«بم نعرف ربنا؟»

 

فقال: «بأنه على العرش بائن من خلقه».

 

وسئل: «بحد؟» فقال: «بحد».

 

وبحسب تفسير ابن تيمية لهذا الاستعمال، كان المقصود الرد على من ينفي أن يكون الخالق متميزًا عن المخلوقات.

 

هل معنى «الحد» أن مخلوقًا يحدد الله؟

 

لا.

 

فالفتوى تنص على أن من استعمل هذا اللفظ من العلماء لم يقصد أن شيئًا خارجًا عن الله يحيط به أو يحده، ولم يقصد أن الإنسان يستطيع تصور كيفية ذات الله أو تحديد مقدار لها.

 

ونقل عن عثمان الدارمي قوله:

 

«والله تعالى له حد لا يعلمه أحد غيره، ولا يجوز لأحد أن يتوهم لحده غاية في نفسه».

 

فالمقصود عند من يستعمل هذا التعبير هو إثبات البينونة والتميز عن الخلق، مع عدم الخوض في الكيفية.

 

لماذا رفض بعض أهل السنة استعمال لفظ «الحد»؟

 

لأن اللفظ نفسه لم يرد في القرآن أو السنة، ولأنه قد يفهم بمعانٍ غير صحيحة.

 

فقد يسمع الإنسان كلمة «حد» فيتصور جسمًا مخلوقًا له أبعاد يمكن قياسها أو تصور نهايتها، وهذا ليس المقصود.

 

ولهذا امتنع بعض أهل السنة عن إطلاق اللفظ، مع إثباتهم أن الله بائن عن خلقه، غير حالٍّ فيهم ولا مختلط بهم.

 

وعندئذ يكون جانب من الخلاف متعلقًا باللفظ وطريقة التعبير، لا بأصل تميز الخالق عن المخلوق.

 

ما الطريقة الأسلم في هذه المسألة؟

 

الأولى استعمال الألفاظ الواضحة التي جاءت بها النصوص، فنقول:

 

الله العلي الأعلى، مستوٍ على عرشه، فوق خلقه، لا يشبه شيئًا من مخلوقاته، ولا يحيط به شيء من خلقه.

 

قال تعالى:

 

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾

[الشورى: 11]

 

أما ألفاظ مثل الجهة والحد والمكان، فهي ألفاظ مجملة لم ترد بهذه الصيغة في النصوص، ولذلك لا ينبغي بناء الاعتقاد عليها قبل معرفة المعنى المقصود منها.

 

فالمعنى الصحيح يقبل، والمعنى الذي يتضمن تشبيه الله بالمخلوقات أو إحاطة شيء من خلقه به يرفض.

 

الخلاصة

 

قول إن الله «فوق العالم» لا يعني أنه داخل مكان آخر وراء الكون يحتويه، وإنما المقصود - بحسب الفتوى - إثبات علو الله على جميع خلقه، وأنه بائن عنهم، مع نفي أن يحيط به مكان أو جهة مخلوقة.

 

أما لفظ «الحد» فليس من الألفاظ الواردة في القرآن والسنة، وقد استعمله بعض العلماء بمعنى تميز الله وبينونته عن خلقه، بينما امتنع آخرون عن إطلاقه لعدم وروده واحتماله معاني غير صحيحة.

 

ولهذا فالأولى عدم جعل الألفاظ المجملة مثل «الحد» و«الجهة» أصلًا في الاعتقاد، وإنما الالتزام بما جاء في النصوص من إثبات علو الله وتنزيهه عن مماثلة خلقه، مع عدم الخوض في كيفية ذاته وصفاته.

 

والله أعلم.