الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
تقرر الفتوى أن المؤمنين يرون الله تعالى يوم القيامة، كما يرونه في الجنة، وأن رؤية الله في الجنة هي أكمل وأعظم وألذ؛ لأنها رؤية تكريم ونعيم دائم، أما الرؤية في ساحة الحساب فتقع في مقام الحساب والرهبة والامتحان. ولا تعارض بين الأمرين، لأن الرؤية قد تختلف باختلاف المقام والحال، مع الإيمان بها دون الخوض في كيفيتها.
رؤية الله في الجنة من أعظم نعيم أهلها
قال الله تعالى:
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾
[القيامة: 22-23]
وثبت عن النبي ﷺ أنه قال:
«إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ... فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ»
رواه مسلم.
فالنظر إلى الله في الجنة هو من أعظم ما يُعطاه أهلها، بل هو أعلى نعيمهم وأكمله.
هل يرون الله قبل دخول الجنة؟
تذكر الفتوى أن الأحاديث الصحيحة تدل على حصول رؤية لله تعالى في ساحة القيامة أيضًا.
ففي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن الصحابة سألوا النبي ﷺ:
«يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟»
فقال:
«هَلْ تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ إِذَا كَانَتْ صَحْوًا؟»
قالوا: لا.
فقال:
«فَإِنَّكُمْ لَا تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ يَوْمَئِذٍ...»
رواه البخاري ومسلم.
ثم يذكر الحديث ما يقع في موقف القيامة، ومنه أن الله يأتي عباده، وأن المؤمنين يعرفونه، وما يكون من السجود.
كيف تكون رؤية الجنة أعظم إذا حصلت رؤية قبلها؟
لا يلزم من حصول الرؤية في الموقف أن تكون مماثلة للرؤية في الجنة من كل وجه.
فالفتوى تفرق بين الحالين:
في ساحة الحساب يكون المقام مقام رهبة وانتظار وحساب وامتحان، وليس مقام استقرار ونعيم.
أما في الجنة فالرؤية تكون في دار الكرامة والنعيم، وقد انتهى الخوف والحساب، وصار أهل الجنة في أكمل حال من السعادة والأمن.
ولهذا نقلت الفتوى عن ابن تيمية أن أنواع الرؤية قد تتفاوت تفاوتًا عظيمًا، وأن ما يكون في الموقف لا يلزم أن يكون من جنس الرؤية الخاصة الكاملة التي ينعم بها المؤمنون في الجنة.
هل رؤية الله تعني الإحاطة به؟
لا.
قال الله تعالى:
﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾
[الأنعام: 103]
ونفي الإدراك لا يلزم منه نفي أصل الرؤية.
فيمكن للإنسان أن يرى شيئًا دون أن يحيط به علمًا أو رؤية من كل وجه.
ولهذا فالمؤمنون يرون الله حقيقة بحسب ما تقرره الفتوى، لكنهم لا يحيطون به سبحانه، فالله أعظم وأجل من أن تحيط به الأبصار.
ماذا عن قوله في الحديث: «فيكشف عن ساقه»؟
جاء في حديث أبي سعيد رضي الله عنه أن المؤمنين يقولون إن بينهم وبين ربهم آية يعرفونه بها، ثم قال النبي ﷺ:
«فَيَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ، فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ...»
رواه البخاري ومسلم.
وبحسب الفتوى، يُؤمن بما جاء في الحديث كما ورد، من غير تشبيه ولا تكييف ولا محاولة لتصور كيفية الصفة.
والمقصود ليس الدخول في تفاصيل الهيئة أو الكيفية، لأن ذلك من أمور الغيب التي لم يطلع الله الناس عليها.
هل المقصود أنهم يرون «ذات الله كلها»؟
هذا التعبير يدخل في سؤال الكيفية والتحديد، وهو مما تحذر منه الفتوى.
فالذي ثبت هو رؤية الله تعالى، وهذا يكفي في باب الإيمان.
أما السؤال: هل يرى الإنسان «الذات كلها»، وكيف تكون حدود الرؤية، وما مقدار ما يراه؛ فهذه تفاصيل لم يرد بها نص، والدخول فيها تكلف في أمر غيبي.
ولذلك ينبغي الوقوف عند ما جاء به الوحي، من غير محاولة تحويل الرؤية الأخروية إلى صورة مماثلة للرؤية الدنيوية.
لماذا ينبغي عدم التعمق في الكيفية؟
أمور الغيب تعرف بالخبر الصادق، لا بمجرد القياس على ما نعرفه في الدنيا.
وقد نقلت الفتوى عن ابن رجب أن من التعمق المنهي عنه البحث في كيفية الأمور الغيبية التي أمرنا بالإيمان بها ولم يبين لنا كيفيتها.
فالمطلوب أن نثبت ما ثبت، ونسكت عما لم يخبرنا الله به.
الخلاصة
يرى المؤمنون الله تعالى يوم القيامة بحسب ما دلت عليه الأحاديث، ثم يرونه في الجنة رؤية أكمل وأعظم وألذ، وهي من أعلى نعيم أهل الجنة.
ولا تعارض بين الرؤيتين؛ لأن الرؤية في ساحة الحساب تقع في مقام رهبة وامتحان، أما في الجنة فهي رؤية تكريم ونعيم دائم.
كما أن رؤية الله لا تعني الإحاطة به، ولا يجوز التكلف في السؤال عن كيفية الرؤية أو مقدار ما يراه الإنسان من ذات الله، بل الواجب الإيمان بما جاء في النصوص، مع تنزيه الله عن مشابهة خلقه.
والله أعلم.