الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
الله تعالى قادر على كل شيء ممكن، ولا يعجزه شيء، لكن قدرته سبحانه لا تتعلق بالمستحيلات الذاتية التي تتضمن التناقض أو النقص؛ لأنها ليست أشياء ممكنة الوجود أصلًا. وبحسب ما تقرره الفتوى، فإن تجسد الله في صورة إنسان أو حلوله في مخلوق يتنافى مع كماله وتنزهه عن مشابهة خلقه، ولذلك لا يقال إن هذا من الأمور الممكنة التي تتعلق بها القدرة الإلهية.
الله لا يشبه شيئًا من خلقه
من أصول الاعتقاد في الإسلام أن الله تعالى ليس كمثله شيء.
قال سبحانه:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
[الشورى: 11]
وقال تعالى:
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾
[الإخلاص: 4]
وقال سبحانه:
﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾
[مريم: 65]
فهذه النصوص تدل على تنزه الله عن المماثلة والمكافأة، وأنه سبحانه ليس كالمخلوقات.
هل قول «الله قادر على كل شيء» يشمل المستحيلات؟
قال الله تعالى في مواضع كثيرة إنه على كل شيء قدير.
لكن المقصود بالشيء هنا ما يمكن وجوده.
أما الأمر المتناقض في ذاته، فلا يسمى شيئًا ممكنًا حتى يقال: هل يقدر الله عليه أم لا؟
فمثلًا لا يمكن أن يكون الشيء في اللحظة نفسها موجودًا وغير موجود من الجهة نفسها، لأن هذه ليست حقيقة ممكنة، بل تناقض في التعبير.
ولهذا قال ابن تيمية:
«وأما المحال لذاته، مثل كون الشيء الواحد موجودًا معدومًا، فهذا لا حقيقة له، ولا يتصور وجوده، ولا يسمى شيئًا باتفاق العقلاء».
وقال ابن القيم:
«لأن المحال ليس بشيء، فلا تتعلق به القدرة، والله على كل شيء قدير، فلا يخرج ممكن عن قدرته ألبتة».
إذن عدم تعلق القدرة بالمستحيل لا يعني نقصًا في قدرة الله، لأن المستحيل ليس شيئًا ممكنًا حتى يكون عدم إيجاده عجزًا.
لماذا يعد التجسد من هذا الباب بحسب الفتوى؟
بحسب ما تقرره الفتوى، فإن القول بأن الله يتحول إلى إنسان أو يحل في إنسان يتضمن نسبة خصائص المخلوق إلى الخالق.
فالإنسان مخلوق محدود، يولد ويجوع ويعطش ويحتاج، ويمكن أن يتعرض للألم والمرض والموت.
أما الله تعالى فهو الخالق الغني الكامل.
قال سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾
[فاطر: 15]
فليس من كمال القدرة أن يتحول الكامل إلى ناقص، أو الخالق إلى مخلوق، أو أن تجتمع في الحقيقة الواحدة صفات متناقضة على وجه يستحيل اجتماعه.
هل معنى ذلك أن الله لا يستطيع شيئًا؟
لا.
هناك فرق كبير بين قول:
«الله عاجز عن فعل شيء ممكن»
وبين قول:
«هذا الأمر ليس شيئًا ممكنًا أصلًا».
الإسلام يثبت لله كمال القدرة المطلقة، فلا يعجزه شيء يمكن وجوده.
أما الأسئلة التي تقوم على تناقض ذاتي، مثل: «هل يستطيع الله أن يخلق إلهًا مثله؟» فليست اختبارًا للقدرة، لأن الإله المخلوق ليس إلهًا؛ فكونه مخلوقًا يناقض كونه إلهًا غير مخلوق.
وكذلك السؤال المشهور: «هل يستطيع الله أن يخلق صخرة لا يستطيع رفعها؟» يتضمن جمع النقيضين: قدرة مطلقة وعجز مطلق في الوقت نفسه.
فالمشكلة هنا في صياغة السؤال، لا في قدرة الله.
كيف يكون الجواب للنصراني بصورة مختصرة؟
يمكن أن يقال:
قدرة الله كاملة ولا يعجزه شيء، لكن القدرة تتعلق بالممكنات، لا بالتناقضات والمستحيلات. والإسلام يقرر أن الله ليس كمثله شيء، وأنه الخالق الغني الكامل، فلا يتحول إلى مخلوق محدود ولا يحل في إنسان. وليس هذا عجزًا، بل هو من كمال الله وتنزهه عن النقص.
ثم يمكن توضيح أن قولنا: «الله قادر على كل شيء» لا يعني نسبة النقائص إليه، فالله قادر ولا يوصف بالعجز، حي ولا يوصف بالموت، عالم ولا يوصف بالجهل.
ماذا عن نزول الله الوارد في السنة؟
ينبغي التفريق بين التجسد أو الحلول في إنسان وبين ما ورد في السنة من نزول الله تعالى.
فبحسب عقيدة أهل السنة التي تقررها الفتوى، يثبت لله النزول الذي أخبر به النبي ﷺ على الوجه اللائق بالله، من غير أن يعني ذلك حلول الله في مخلوق أو تحوله إلى صورة إنسان.
فلا يصح الاستدلال بصفة النزول على عقيدة التجسد؛ لأنهما مسألتان مختلفتان.
المسيح عليه السلام في الاعتقاد الإسلامي
الإسلام لا ينكر عظمة المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام، بل يؤمن بأنه من أولي العزم من الرسل، وأن ولادته كانت معجزة عظيمة.
لكنه عبد الله ورسوله، وليس الله متجسدًا في صورة إنسان.
قال تعالى:
﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾
[النساء: 171]
ثم قال في الآية نفسها:
﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾
[النساء: 171]
الخلاصة
قدرة الله تعالى كاملة ومطلقة، لكنها تتعلق بكل أمر ممكن، أما المستحيل المتناقض في ذاته فليس شيئًا يمكن وجوده حتى تتعلق به القدرة.
وبحسب ما تقرره الفتوى، فإن القول بأن الله يتحول إلى إنسان أو يحل في أحد مخلوقاته يتنافى مع كماله وتنزهه عن مشابهة خلقه.
ولهذا فجواب السؤال ليس: «الله عاجز عن التجسد»، بل: التجسد بهذا المعنى ليس كمالًا ولا أمرًا ممكنًا في حق الله، وإنما يتضمن نسبة خصائص المخلوق ونقائصه إلى الخالق سبحانه.
والله أعلم