الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
المفاضلة بين الملائكة وصالحي البشر من المسائل التي وقع فيها خلاف بين أهل العلم. وبحسب ما ترجحه الفتوى، فإن الأنبياء وصالحي البشر أفضل من الملائكة من جهة ما ينتهون إليه من المنزلة والثواب، مع أن الملائكة يمتازون بقوة العبادة واستمرارها وعدم معصية الله. وهذه المسألة ليست من أصول الاعتقاد التي يحتاج المسلم إلى الخوض المطول فيها.
الملائكة عباد مكرمون لا يفترون عن العبادة
خلق الله الملائكة وجبلهم على طاعته، فقال تعالى:
﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾
[التحريم: 6]
وقال سبحانه:
﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾
[الأنبياء: 20]
وثبت عن النبي ﷺ أنه قال:
«أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ»
[رواه الترمذي]
وفي حديث الإسراء أخبر النبي ﷺ عن البيت المعمور:
«يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، إِذَا خَرَجُوا لَمْ يَعُودُوا إِلَيْهِ»
[رواه البخاري ومسلم]
وهذا يدل على عظم عبادة الملائكة وكثرتها.
هل كثرة عبادة الملائكة تعني أنهم أفضل من الأنبياء؟
ليس بالضرورة.
فالملائكة خُلقوا بطبيعة تختلف عن طبيعة البشر، وجُبلوا على الطاعة، وليس فيهم ما في الإنسان من الشهوات والنوازع التي تحتاج إلى مجاهدة ومقاومة.
أما الإنسان الصالح فإنه يعبد الله مع وجود الشهوة والهوى والتعب والضعف، ويجاهد نفسه ليبقى على الطاعة.
ولهذا رأى عدد من أهل العلم أن طاعة الأنبياء والصالحين لها فضيلة من هذه الجهة؛ لأنهم يبلغون مراتب عالية من الإيمان والطاعة مع ما في الطبيعة البشرية من دوافع تحتاج إلى مجاهدة.
ما القول المشهور عند عدد من علماء أهل السنة؟
نقل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن المشهور عند طوائف من علماء أهل السنة هو أن الأنبياء والأولياء الصالحين أفضل من الملائكة.
وقال ابن القيم رحمه الله:
«مذهب أهل السنة أن صالحي البشر أفضل من الملائكة».
وبيّن أن من أسباب ذلك أن عبادة البشر تكون مع مجاهدة النفس والشهوات، بخلاف الملائكة الذين جبلهم الله على الطاعة.
لكن ينبغي الانتباه إلى أن هذه المسألة ليست محل اتفاق بين جميع أهل العلم، بل وقع فيها خلاف وتفصيل.
هل الأنبياء أفضل من الملائكة؟
بحسب القول الذي ترجحه الفتوى، نعم، والأنبياء في مقدمة صالحي البشر.
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله أن رسل الله، ومنهم محمد وإبراهيم وموسى وعيسى ونوح عليهم الصلاة والسلام، أفضل من الملائكة.
ولا يعني هذا الانتقاص من منزلة الملائكة؛ فهم عباد مكرمون عظم الله شأنهم وأثنى عليهم، وإنما الكلام هنا في المفاضلة بين مراتب مخلوقات عظيمة عند الله.
ماذا عن سائر المؤمنين الصالحين؟
ذهب عدد من أهل العلم إلى أن صالحي البشر كذلك أفضل من الملائكة من جهة العاقبة والمنزلة التي يبلغونها في الآخرة.
وقد اختار الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تفصيلًا في المسألة فقال: إن الملائكة أفضل باعتبار البداية؛ لأنهم خُلقوا من نور وجُبلوا على الطاعة والقوة عليها.
أما الصالحون من البشر فهم أفضل باعتبار النهاية وما يكرمهم الله به في الجنة.
واستدل على ذلك بأن الملائكة يدخلون على أهل الجنة مهنئين لهم، كما قال تعالى:
﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾
[الرعد: 23-24]
هل اختلاف أصل الخِلقة يدل على الأفضلية؟
لا.
كون الملائكة خُلقوا من نور والبشر من تراب لا يقتضي أن كل مَلَك أفضل من كل إنسان.
فالتفاضل لا يكون بمجرد مادة الخلق، وإنما بما يكرم الله به عباده من الإيمان والطاعة والمنزلة.
وقد خلق الله من البشر أنبياء ورسلاً بلغوا أعلى مراتب القرب والطاعة.
هل يجب على المسلم معرفة من الأفضل؟
لا، فهذه المسألة ليست من أصول الدين التي تتوقف عليها صحة الإيمان.
وقد أشار الشيخ ابن عثيمين رحمه الله إلى أن التوسع في المفاضلة بين صالح البشر والملائكة من فضول العلم الذي لا يحتاج المسلم إلى الانشغال به أو النزاع فيه.
فالمسلم مطالب بالإيمان بالملائكة ومحبتهم واحترام منزلتهم، والإيمان بالأنبياء واتباعهم، والعمل على إصلاح نفسه.
الخلاصة
الملائكة عباد مكرمون عظيمو العبادة، لا يعصون الله ويفعلون ما يؤمرون. ومع ذلك، فقد ذهب عدد من علماء أهل السنة إلى أن الأنبياء وصالحي البشر أفضل من الملائكة، لأنهم يبلغون مراتب عظيمة من الطاعة مع مجاهدة طبيعتهم البشرية.
وذهب بعض أهل العلم إلى التفصيل، فقالوا: الملائكة أفضل باعتبار البداية، وصالحو البشر أفضل باعتبار النهاية والمنزلة في الآخرة.
ومع وجود الخلاف في هذه المسألة، فهي ليست من المسائل التي يحتاج المسلم إلى التعمق فيها، والأهم أن يشتغل بطاعة الله وإصلاح نفسه.
والله أعلم