احاديث
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (من سلك طريقًا يلتمسُ فيه علمًا، سهَّل اللهُ له طريقًا إلى الجنَّةِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (مَن يُرِدِ اللهُ بِه خَيرًا يُفقِّهْهُ في الدِّينِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (طلَبُ العِلمِ فَريضةٌ علَى كلِّ مُسلِمٍ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (إذا مات الإنسانُ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ؛ صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنتَفَعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدْعو له)
الايمان الايمان بالملائكه 503 2026-09-13

لماذا ندعو للملائكة بالرحمة مع أنهم لا يعصون الله؟

السؤال
إذا كانت الملائكة عبادًا مطيعين لله، لا يعصونه ويفعلون ما يؤمرون، فلماذا يُدعى لهم بالرحمة والسلام؟ وهل هم محتاجون إلى رحمة الله مع أنهم من أهل الطاعة؟ وهل التسليم في نهاية الصلاة يكون على الملائكة فقط؟ وما حكم زيادة «وبركاته» في التسليم؟
الإجابة

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

الملائكة مخلوقات وعباد لله تعالى، وكل مخلوق محتاج إلى رحمة الله وفضله، مهما بلغ من الطاعة والمنزلة. وكون الملائكة لا يعصون الله لا يعني أنهم مستغنون عن رحمته، بل هم يرجون رحمته ويخافون عذابه ويعبدونه كما أمرهم. ولذلك لا إشكال في الدعاء لهم بالسلام والرحمة، وقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها أنها ردت السلام على جبريل عليه السلام ودعت له بالرحمة والبركة.

هل التسليم في الصلاة مقصود به الملائكة فقط؟

لا.

السلام في نهاية الصلاة له أكثر من معنى، ومنه الخروج من الصلاة، كما ينوي المصلي السلام على من حوله.

فالإمام ينوي السلام على المأمومين، والمأموم ينوي السلام على الإمام ومن معه من المصلين، والمنفرد ينوي الخروج من الصلاة والسلام على من معه من الملائكة.

ولذلك لا يصح فهم التسليم على أنه موجَّه حصريًا إلى الملك الذي على اليمين أو اليسار.

هل زيادة «وبركاته» في التسليم مرتبطة بأحد الملكين؟

لا.

ذهب جمهور أهل العلم إلى أن المشروع في التسليم أن يقول المصلي عن يمينه وعن شماله:

«السلام عليكم ورحمة الله».

وقد ثبت ذلك في أحاديث متعددة.

أما زيادة «وبركاته» فقد اختلف العلماء في ثبوتها وموضعها؛ فمنهم من صحح ورودها، ومنهم من لم يثبتها، ومنهم من قال بها في بعض صور التسليم.

ولهذا لا علاقة لزيادة «وبركاته» بالملك الذي على اليمين، ولا بكون الملك الذي على اليسار يكتب السيئات.

لماذا تحتاج الملائكة إلى رحمة الله؟

لأنهم مخلوقون، وكل مخلوق مفتقر إلى الله تعالى.

والطاعة والعصمة من المعصية لا تجعل المخلوق مستغنيًا عن رحمة خالقه.

وقد ثبت أن النبي ﷺ قال لعائشة رضي الله عنها:

«هَذَا جِبْرِيلُ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلَامَ».

فقالت:

«وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ»
[رواه البخاري ومسلم]

فدعت لجبريل عليه السلام، وهو من أعظم الملائكة، بالرحمة والبركة.

وهذا يدل على أن الدعاء للملائكة بالرحمة أمر صحيح لا إشكال فيه.

هل الملائكة يرجون رحمة الله؟

نعم، فالملائكة عباد لله، وعبادة الله تقوم على المحبة والخوف والرجاء.

قال تعالى:

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾
[الإسراء: 57]

وقد ذكر أهل العلم أن الآية تشمل من عُبد من دون الله من الملائكة والأنبياء والصالحين، مع أنهم أنفسهم عباد لله يتقربون إليه ويرجون رحمته ويخافونه.

وقال تعالى عن الملائكة:

﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾
[النحل: 50]

وقال:

﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾
[الأنبياء: 28]

فكونهم لا يعصون الله لا ينفي عنهم الخوف والرجاء والافتقار إليه.

هل الملائكة غير مكلفين لأنهم لا يعصون؟

ليس صحيحًا القول إنهم غير مكلفين مطلقًا.

فالملائكة مأمورون بالعبادة والطاعة، ويقومون بما يأمرهم الله به.

قال تعالى:

﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾
[التحريم: 6]

فالفرق بينهم وبين البشر ليس أنهم بلا عبادة أو تكليف، وإنما أنهم خُلقوا على طاعة الله ولا يعصونه فيما أمرهم به.

هل الطاعة وحدها توجب الرحمة والجنة؟

رحمة الله وفضله هما الأصل في حصول النجاة والكرامة، والعمل الصالح سبب لنيل هذه الرحمة، وليس ثمنًا مستقلًا عنها.

قال النبي ﷺ:

«لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ».

قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟

قال:

«لَا وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ»
[رواه البخاري ومسلم]

فإذا كان النبي ﷺ، وهو أفضل البشر، مفتقرًا إلى فضل الله ورحمته، فلا يستغرب أن يكون سائر المخلوقات كذلك.

لماذا نقول للنبي ﷺ: «ورحمة الله وبركاته»؟

في التشهد يقول المسلم:

«السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته».

فدعاؤنا للنبي ﷺ بالرحمة لا يعني أنه مذنب أو محروم من الرحمة، وإنما هو دعاء بزيادة فضل الله ورحمته وكرامته.

والأمر نفسه في الدعاء للملائكة.

فالرحمة ليست فقط غفران الذنوب، بل هي معنى واسع يشمل الإحسان والفضل والحفظ والكرامة والزيادة في الخير.

الخلاصة

الملائكة وإن كانوا لا يعصون الله، فهم مخلوقات مفتقرة إليه، ويحتاجون إلى رحمته وفضله، ويرجونه ويخافونه ويعبدونه. ولذلك يصح الدعاء لهم بالسلام والرحمة، وقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لجبريل عليه السلام: «وعليه السلام ورحمة الله وبركاته».

كما أن التسليم في نهاية الصلاة لا يختص بالملائكة، وزيادة «وبركاته» ليست مرتبطة بالملك الذي على اليمين أو اليسار، وإنما هي مسألة فقهية وقع فيها خلاف بين أهل العلم.

والله أعلم