احاديث
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (من سلك طريقًا يلتمسُ فيه علمًا، سهَّل اللهُ له طريقًا إلى الجنَّةِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (مَن يُرِدِ اللهُ بِه خَيرًا يُفقِّهْهُ في الدِّينِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (طلَبُ العِلمِ فَريضةٌ علَى كلِّ مُسلِمٍ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (إذا مات الإنسانُ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ؛ صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنتَفَعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدْعو له)
العقيده الاسلاميه الاسماء والصفات في الاسلام 909 2026-09-13

هل يجب على كل مسلم معرفة تفاصيل العرش والكرسي والسماوات؟

السؤال
هل يجب على كل مسلم أن يتعلم بالتفصيل ما يتعلق بمكان السماوات والكرسي والعرش وصفاتها، ككونها تحيط بالأرض، أو كون العرش مقببًا أو مستديرًا؟ وهل من لم يتعلم هذه التفاصيل أو تكاسل عن معرفتها يكون آثمًا أو كافرًا؟ وما حقيقة الكلام المنسوب إلى أبي حنيفة في هذه المسألة؟
الإجابة

 

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

 

لا يجب على كل مسلم، وخاصة العامي، أن يعرف جميع التفاصيل المتعلقة بصفة العرش والكرسي وهيئتهما، وإنما الواجب عليه الإيمان إجمالًا بما ثبت في القرآن والسنة. أما التفاصيل الدقيقة التي لم تبلغه أو لم يثبت فيها نص صحيح، فلا يجب عليه البحث عنها، ولا يكون كافرًا ولا آثمًا لمجرد جهله بها.

 

ما حقيقة الكلام المنسوب إلى أبي حنيفة؟

 

أولًا، تشير الفتوى إلى أن كتاب «الفقه الأكبر» لا يُجزم بصحة نسبته إلى الإمام أبي حنيفة رحمه الله، وإن كان مشهورًا عند الحنفية ونقل منه عدد من العلماء.

 

كما أن العبارة المذكورة في السؤال، وهي أن من «لا يعرف أين السماوات» يكون كافرًا، ليست هي اللفظ المنقول عن أبي حنيفة.

 

وإنما نُقل عنه في الكتاب الكلام عمن يقول:

 

«لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض».

 

وكذلك عمن يقر بالاستواء على العرش، لكنه يقول إنه لا يدري هل العرش في السماء أم في الأرض. فالمسألة في النص المنقول مرتبطة - بحسب الفتوى - بإنكار علو الله، وليست حكمًا على المسلم الذي يجهل التفاصيل المتعلقة بهيئة السماوات أو العرش.

 

هل يجب معرفة شكل العرش؟

 

لا.

 

فالفتوى تذكر أن العلماء اختلفوا: هل العرش مستدير أو مقبب؟

 

وقد اختار بعض العلماء أنه مقبب، واستدلوا بحديث فيه:

 

«وَإِنَّ عَرْشَهُ عَلَى سَمَوَاتِهِ لَهَكَذَا»، وأشار النبي ﷺ بأصابعه مثل القبة.

 

لكن الفتوى نفسها تنبه إلى أن هذا الحديث ضعيف.

 

كما استدل بعض العلماء بثبوت أن للعرش قوائم على أنه ليس مستديرًا، ونقلت الفتوى أقوالًا لابن تيمية وابن باز وابن عثيمين في وصف العرش بأنه فوق السماوات وأن له قوائم.

 

لكن هذه التفاصيل ليست مما يجب على عامة المسلمين معرفته.

 

ما الذي يجب الإيمان به بشأن العرش؟

 

بحسب الفتوى، يكفي المسلم أن يؤمن بما ثبت من أمر العرش، ومن ذلك أنه مخلوق عظيم، ومن أعظم المخلوقات وأعلاها، وأن الله تعالى استوى على العرش على الوجه اللائق به.

 

قال الله تعالى:

 

﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾

[طه: 5]

 

وقال سبحانه:

 

﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾

[الأعراف: 54]

 

أما التفاصيل التي لم يثبت فيها نص صحيح وصريح، فلا يجب اعتقادها ولا البحث عنها.

 

الإيمان المجمل والتفصيلي ليسا في مرتبة واحدة

 

من أهم ما توضحه الفتوى التفريق بين الإيمان المجمل ومعرفة التفاصيل.

 

فكل مسلم مطالب بأن يؤمن بالله ورسوله ﷺ، وأن يصدق إجمالًا بكل ما جاء به الوحي.

 

أما معرفة كل مسألة عقدية وكل خبر ورد في النصوص بالتفصيل، فليست واجبة على كل فرد.

 

ونقلت الفتوى عن ابن تيمية أن معرفة ما جاء به الرسول ﷺ تفصيلًا من فروض الكفايات، وأن ما يجب على كل شخص يختلف بحسب علمه وقدرته وما بلغه من النصوص.

 

فالعالم وطالب العلم قد يجب عليهما من معرفة التفاصيل ما لا يجب على المسلم العامي.

 

ماذا لو لم يسمع المسلم بهذه التفاصيل أصلًا؟

 

من لم يبلغه خبر معين، ولم يتمكن من معرفته، لا يطالب بالإيمان التفصيلي بشيء لم يعرفه.

 

وإنما يدخل ذلك في إيمانه العام بأن كل ما ثبت عن الله ورسوله ﷺ حق.

 

ولهذا نقلت الفتوى أن ما أخبر به الرسول ﷺ ولم يبلغ المسلم، ولم يمكنه العلم به، فإنه لا يعاقب على عدم الإقرار به تفصيلًا؛ لأنه داخل في إقراره العام بما جاء به الرسول ﷺ.

 

هل يجب معرفة أن السماوات والكرسي والعرش تحيط بالأرض؟

 

لا يجب على المسلم العامي البحث في مثل هذه التفاصيل حتى يصح إيمانه.

 

فالفتوى تنص في ختامها على أنه لا يجب على المسلم البحث عن صفات العرش التي لم يرد بها نص صحيح، مثل البحث في كونه مستديرًا أو مقببًا، وإنما يكفيه الإيمان المجمل والتصديق بكل ما ثبت عن الرسول ﷺ.

 

وبالتالي، مجرد عدم معرفة هذه التفاصيل أو عدم البحث عنها ليس ردة ولا كفرًا، بل تقرر الفتوى أنه ليس إثمًا في الأصل.

 

الخلاصة

 

لا يجب على كل مسلم معرفة جميع التفاصيل المتعلقة بالعرش والكرسي والسماوات، ولا يلزمه البحث في شكل العرش أو كيفية إحاطته أو غير ذلك من المسائل التفصيلية.

 

الواجب هو الإيمان بما ثبت عن الله ورسوله ﷺ إجمالًا، ثم يؤمن المسلم تفصيلًا بما بلغه وثبت عنده من النصوص.

 

أما الكلام المنقول عن أبي حنيفة فلا يتعلق بمجرد الجهل بتفاصيل هيئة العرش والسماوات، وإنما جاء - بحسب الفتوى - في سياق مسألة علو الله والاستواء على العرش. ولذلك فمن لم يعرف التفاصيل المتعلقة بشكل العرش أو موقع الكرسي أو كيفية إحاطة السماوات لا يكفر ولا يأثم لمجرد جهله بها.

 

والله أعلم.