الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
الأصل في أسماء الله وصفاته الوقوف عند ما جاء في القرآن والسنة، فلا يُثبت لله اسم أو صفة بلفظ لم يرد في الوحي. أما الألفاظ المجملة التي لم يرد إثباتها ولا نفيها، وكان معناها يحتمل حقًا وباطلًا، فيُتوقف في لفظها ويُستفصل عن معناها: فما كان حقًا قُبل مع التعبير عنه بالألفاظ الشرعية، وما كان متضمنًا للنقص أو التشبيه نُفي عن الله. أما «الجسد» و«البدن» بمعناهما المعروف فتنفيهما الفتوى عن الله، بينما لفظ «الجسم» يحتاج إلى تفصيل لاختلاف المراد به.
ما المقصود بالألفاظ المجملة؟
الألفاظ المجملة هي ألفاظ لم يرد بها نص من القرآن أو السنة، ويمكن أن يراد بها أكثر من معنى، بعضها صحيح وبعضها باطل.
ومن أمثلتها التي ذكرتها الفتوى: الجهة، والحيز، والجسم.
فالقاعدة فيها ألا نسارع إلى الإثبات أو النفي حتى نعرف المقصود.
ونقلت الفتوى عن الشيخ ابن عثيمين أن ما أثبته الكتاب والسنة يجب إثباته، وما نفياه يجب نفيه، وما لم يرد إثباته ولا نفيه يُتوقف في لفظه، أما معناه فيُفصَّل فيه؛ فإن كان حقًا يليق بالله قُبل، وإن كان معنى لا يليق بالله وجب رده.
لماذا لا ننفي كل لفظ لم يرد في النصوص؟
لأن بعض الألفاظ قد يُقصد بها معنى صحيح.
فمثلًا لفظ «الجهة» لم يرد في النصوص وصفًا لله إثباتًا أو نفيًا.
فإذا قصد به شخص مكانًا مخلوقًا يحيط بالله، فهذا معنى باطل؛ لأن الله لا يحيط به شيء من مخلوقاته.
أما إذا قصد به أن الله سبحانه فوق خلقه ولا يحيط به شيء، فالفتوى تعتبر هذا المعنى صحيحًا، مع تفضيل التعبير عنه بالألفاظ الشرعية الواضحة بدل لفظ «الجهة» المجمل.
هل كل ما لم يرد في النصوص نتوقف في نفيه؟
لا.
هناك فرق بين اللفظ المجمل وبين المعنى الذي يتضمن نقصًا واضحًا.
فكل نقص يجب تنزيه الله عنه، ولو لم يأت نص خاص ينفي ذلك اللفظ بعينه؛ لأن الله متصف بالكمال المطلق.
قال تعالى:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
[الشورى: 11]
ونقلت الفتوى عن ابن تيمية أن الله سبحانه منزه عن صفات النقص مطلقًا، كالعجز والجهل والسِّنة والنوم، وأن منهج السلف يقوم على إثبات صفات الكمال بلا تمثيل، وتنزيه الله عن النقص بلا تعطيل.
هل يجوز وصف الله بالجسد أو البدن؟
بحسب ما تقرره الفتوى: لا.
فاللفظان في استعمالهما اللغوي المعروف يدلان على البدن والجسد المعروف للمخلوقات، وما يرتبط بذلك من المعاني الجسمانية المخلوقة.
ولهذا ذكرت الفتوى أنها لا تعلم أحدًا من أهل السنة توقف في نفي الجسد والبدن عن الله، وأن الله سبحانه منزه عن ذلك.
فلا يقال: «لله جسد» أو «لله بدن».
وهذا النفي لا يعني نفي الصفات التي أثبتها الله لنفسه، كالوجه واليد والعين، بحسب ما تقرره الفتوى؛ لأن هذه صفات ورد بها النص، بينما «الجسد» و«البدن» ألفاظ أخرى لها دلالاتها الخاصة.
ماذا عن لفظ «الجسم»؟
لفظ «الجسم» أكثر تعقيدًا؛ لأنه استُعمل عبر التاريخ بمعانٍ مختلفة.
فقد يراد به في اللغة الجسد أو البدن، وهذا المعنى منفي عن الله.
وقد يستعمله بعض المتكلمين بمعنى الشيء المركب من أجزاء أو من مادة وصورة، وهذه المعاني أيضًا تنفيها الفتوى عن الله.
لكن بعضهم استعمل لفظ «الجسم» بمعنى الموجود القائم بنفسه.
وهذا المعنى في نفسه - أي وجود الله وقيامه بنفسه - حق، لكن لا يلزم من صحة المعنى جواز تسمية الله بـ«الجسم»؛ لأن هذا اللفظ لم يرد في الوحي، وهو لفظ مبتدع ومجمل.
هل كان ابن تيمية يصف الله بأنه جسم؟
لا، والفتوى تنص على أن ابن تيمية لم يطلق لفظ الجسم على الله، بل اعتبره لفظًا مبتدعًا مجملًا.
فهو يرفض إطلاق اللفظ، ثم ينظر في المعنى الذي يريده المتكلم.
فإن قصد بـ«الجسم» بدنًا، أو شيئًا مركبًا من أجزاء، أو مادة وصورة، فهذا منفي عن الله.
وإن قصد مجرد «الموجود القائم بنفسه»، فالمعنى صحيح، لكن تسمية هذا المعنى بـ«الجسم» غير مقبولة؛ لعدم ورودها ولما في اللفظ من إجمال.
هل الله مركب من أجزاء؟
بحسب الفتوى، الله منزه عن التركيب بمعنى أن يكون مركبًا من أجزاء متفرقة جُمعت، أو من مادة وصورة، أو أن يقبل التفريق والانفصال.
قال الله تعالى:
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾
[الإخلاص: 1-4]
لكن ينبغي أيضًا الحذر من استعمال لفظ «التركيب» بمعنى مبتدع يراد منه نفي صفات الله الثابتة؛ لأن مجرد ثبوت صفات متعددة لله، كالعلم والقدرة والسمع والبصر، لا يعني أنه «مركب» بالمعنى المعروف في المخلوقات.
ماذا عن لفظ «الجارحة»؟
لفظ «الجارحة» لم يرد في القرآن والسنة وصفًا لصفات الله.
ولهذا فالأفضل عدم استعماله عند الحديث عن صفات الله، فلا نعيد تفسير اليد أو العين أو غيرهما بهذا المصطلح.
بل نقول كما جاءت النصوص: يد، عين، وجه، على الوجه اللائق بالله، بحسب ما تقرره الفتوى، مع نفي مماثلة المخلوقين وعدم الخوض في الكيفية.
فالألفاظ الشرعية أوضح وأسلم من المصطلحات الكلامية المحتملة.
ما القاعدة التي تضبط هذه المسألة؟
يمكن جمع منهج الفتوى في ثلاثة أصول:
ما أثبته القرآن والسنة لله نثبته على الوجه اللائق به من غير تشبيه ولا تكييف.
ما دل على نقص نُنزه الله عنه؛ لأن الله له الكمال المطلق.
ما لم يرد في النص وكان لفظًا مجملًا يحتمل حقًا وباطلًا، نتوقف في لفظه ونستفصل عن معناه؛ فنقبل المعنى الصحيح ونرد المعنى الباطل.
وهذا يمنع طرفي الخطأ: إثبات ألفاظ ومعانٍ لم يأت بها الوحي، أو نفي معانٍ صحيحة بسبب ألفاظ مجملة.
الخلاصة
بحسب ما تقرره الفتوى، لا يوصف الله بـ«الجسد» أو «البدن»، لما يدل عليه هذان اللفظان من المعاني الجسمانية المخلوقة. أما لفظ «الجسم» فلا يُثبت لله؛ لأنه لم يرد في النصوص وهو لفظ مجمل، ويجب الاستفصال عن المعنى المقصود به.
فإن أريد به الجسد أو التركيب من أجزاء أو مادة وصورة، فالمعنى منفي عن الله. وإن أريد به مجرد أنه موجود قائم بنفسه، فالمعنى صحيح، لكن لا يسمى الله «جسمًا».
والأولى في هذا الباب ترك الألفاظ المحدثة والمجملة، والالتزام بالألفاظ الواضحة التي جاء بها القرآن والسنة، مع إثبات صفات الكمال لله وتنزيهه عن النقص والمماثلة.
والله أعلم.