الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
القول بأن الملائكة لا يأكلون ولا يشربون لا يتضمن تشبيههم بالله تعالى؛ لأن عدم حاجتهم إلى الطعام والشراب صفة خلقهم الله عليها، وهم مع ذلك مخلوقات مفتقرة إليه في وجودها وقدرتها وكل شؤونها. أما الله سبحانه فهو الغني بذاته عن جميع خلقه. ومجرد الاشتراك في معنى عام لا يعني التماثل في حقيقة الصفات؛ كما وصف الله نفسه بالسمع والبصر، ووصف الإنسان بهما، مع الاختلاف التام بين صفات الخالق وصفات المخلوق.
هل ثبت أن الملائكة لا يأكلون ولا يشربون؟
دل القرآن على أن الملائكة لا يأكلون، وذلك في قصة ضيوف إبراهيم عليه السلام.
قال تعالى:
﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾
[هود: 70]
فقد قدم إبراهيم عليه السلام لهم الطعام، ولكنهم لم يأكلوا منه؛ لأنهم كانوا ملائكة.
قال الطبري رحمه الله:
«كفوا عن أكله لأنهم لم يكونوا ممن يأكله».
وقال ابن كثير رحمه الله:
«الملائكة لا همة لهم إلى الطعام ولا يشتهونه ولا يأكلونه».
ونقل الفخر الرازي اتفاق العلماء على أن الملائكة لا يأكلون ولا يشربون.
لماذا لا يكون ذلك تشبيهًا بالله؟
لأن هناك فرقًا أساسيًا بين استغناء الله عن الطعام والشراب وبين عدم أكل الملائكة وشربهم.
الله تعالى غني بذاته عن جميع مخلوقاته، قال سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾
[فاطر: 15]
أما الملائكة فهم مخلوقون، والله هو الذي أوجدهم وأبقاهم وأعطاهم قدراتهم.
فهم لا يحتاجون إلى الطعام لأن الله خلق طبيعتهم على هذه الهيئة، وليس لأنهم أغنياء عن الله أو قائمون بأنفسهم.
عدم الحاجة إلى الطعام لا يعني الغنى المطلق
هناك مخلوقات أخرى لا تأكل ولا تشرب، كالجمادات، ولا يقول أحد إن ذلك يجعلها مشابهة لله.
فمجرد عدم احتياج شيء إلى الطعام لا يعني أنه متصف بالغنى المطلق.
ولهذا ينبغي التفريق بين:
عدم الحاجة إلى نوع معين من الأسباب، وبين الاستغناء الكامل عن كل شيء.
الأول قد يوجد في بعض المخلوقات بحسب طبيعتها، أما الثاني فهو لله تعالى وحده.
هل اشتراك الخالق والمخلوق في لفظ أو معنى عام يعد تشبيهًا؟
لا.
قال تعالى:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
[الشورى: 11]
ففي الآية نفسها نفى الله عن نفسه المماثلة، وأثبت لنفسه السمع والبصر.
وفي المقابل قال عن الإنسان:
﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾
[الإنسان: 2]
فالله سميع بصير، والإنسان يوصف بأنه سميع بصير، ومع ذلك لا يعني هذا أن سمع الإنسان كسمع الله أو بصره كبصر الله.
بل لله صفاته التي تليق بجلاله، وللمخلوق صفاته المحدودة التي تناسب خلقته.
ما المقصود بالتشبيه الممنوع؟
التشبيه الممنوع هو أن نجعل صفات الله مماثلة لصفات المخلوقات في حقيقتها وكيفيتها، أو ننسب إلى المخلوق شيئًا من خصائص الربوبية التي لا تكون إلا لله.
أما مجرد وجود معنى عام مشترك في الذهن فلا يستلزم التماثل.
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
«ليس مطلق الموافقة في بعض الأسماء والصفات... مقتضية للتماثل والتكافؤ».
فالحق هو إثبات ما أثبته الله لنفسه من صفات الكمال، مع نفي مماثلته للمخلوقات.
الملائكة أنفسهم مختلفون عن البشر
حتى بين المخلوقات توجد اختلافات كبيرة في الصفات والقدرات.
فالملائكة يتكلمون ويسمعون ويبصرون ويصعدون وينزلون، ومع ذلك لا يلزم أن تكون حقيقة هذه الأفعال والصفات مماثلة لما عند الإنسان.
وقد أشار ابن تيمية رحمه الله إلى أن الملائكة، مع كونهم والبشر مخلوقين، تختلف صفاتهم وأفعالهم عن صفات البشر وأفعالهم.
فإذا كان الاختلاف العظيم ممكنًا بين مخلوق ومخلوق، فإن مباينة الخالق للمخلوق أعظم وأكمل.
الخلاصة
ثبوت أن الملائكة لا يأكلون ولا يشربون لا يعني تشبيههم بالله تعالى.
فالملائكة لا يحتاجون إلى الطعام والشراب لأن الله خلقهم على طبيعة لا تحتاج إليهما، لكنهم مع ذلك مخلوقات مفتقرة إلى الله في وجودها وبقائها وقدرتها وكل شؤونها.
أما الله سبحانه فهو الغني بذاته عن جميع خلقه.
كما أن الاشتراك في أصل معنى أو اسم لا يعني التماثل؛ فالله سميع بصير، والإنسان يوصف بالسمع والبصر، ومع ذلك ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.
فالواجب إثبات ما ثبت للخالق والمخلوق على الوجه اللائق بكل منهما، مع الاعتقاد بأن الله تعالى لا يماثله شيء من خلقه.
والله أعلم