الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
بحسب ما تقرره الفتوى، تثبت لله تعالى صفة القدم كما وردت في السنة الصحيحة، ويثبت له ما ورد من الصفات على الوجه اللائق بجلاله، من غير تشبيه بصفات المخلوقين ولا محاولة لتصور الكيفية. فاشتراك الخالق والمخلوق في اسم الصفة لا يعني تماثل حقيقتها أو كيفيتها.
ما الدليل على إثبات صفة القدم؟
ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:
«لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ تَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا قَدَمَهُ، فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ وَعِزَّتِكَ، وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ»
رواه البخاري ومسلم.
وفي حديث آخر في الصحيحين:
«فَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ، فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ...».
وبحسب الفتوى، تدل هذه النصوص على إثبات صفة القدم أو الرجل لله تعالى على الوجه اللائق به.
كما استدلت الفتوى بما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما:
«الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحد قدره».
وبآثار أخرى في الباب، وذكرت أن عددًا من أهل العلم صححوا أثر ابن عباس.
هل إثبات القدم يعني تشبيه الله بالمخلوق؟
لا.
القاعدة الأساسية في هذا الباب هي قول الله تعالى:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
[الشورى: 11]
فالقرآن أثبت لله السمع والبصر، مع أن المخلوق يوصف أيضًا بالسمع والبصر، ومع ذلك لا يعني هذا أن سمع الله كسمع الإنسان أو بصره كبصره.
وبالمثل، مجرد الاشتراك في لفظ «القدم» لا يستلزم التماثل في الحقيقة أو الكيفية.
فالصفة تليق بمن أضيفت إليه.
كيف يساعد اختلاف المخلوقات نفسها على فهم ذلك؟
ذكرت الفتوى معنى مهمًا، وهو أن الاشتراك في اسم الصفة لا يستلزم التطابق حتى بين المخلوقات.
فقدم الإنسان ليست كقدم الفيل، ولا كقدم طائر، ومع ذلك يطلق لفظ «القدم» على الجميع.
بل قد يستعمل اللفظ الواحد في أشياء مختلفة جدًا مع بقاء اختلاف حقائقها.
فإذا كان الاختلاف ممكنًا بين المخلوقات مع الاشتراك في الاسم، فاختلاف صفة الخالق عن صفات خلقه أولى وأعظم.
ولهذا لا يصح الانتقال من قولنا: «لله قدم» إلى تخيل قدم على هيئة قدم الإنسان أو الحيوان.
هل يلزم من كلمة «القدم» أنها تحمل شيئًا فوقها؟
لا.
هذا الانتقال من الاسم إلى تصور وظيفة محددة أو هيئة معينة هو دخول في التكييف الذي لا دليل عليه.
فإذا قيل عن الله: له قدم، فإننا نثبت الصفة كما جاءت في النص، ولا نقول بعد ذلك: «إذًا لا بد أن تكون وظيفتها كذا»؛ لأننا لم نُخبر بكيفيتها.
والخطأ أن يأخذ الإنسان ما يعرفه عن قدم المخلوق، ثم يجعله معيارًا لفهم صفة الله.
ولهذا قالت الفتوى إن القول بأن «الرجل تحمل ما فوقها» ثم إلزام صفة الله بهذا المعنى هو تصور للكيفية أولًا، ثم بناء الاعتراض على هذا التصور.
ما معنى قول العلماء: «صفة كل شيء بحسبه»؟
المقصود أن حقيقة الصفة وكيفيتها تتناسب مع الموصوف بها.
فالسمع في الإنسان يليق بالإنسان، وسمع الله يليق بالله.
والعلم في المخلوق محدود مكتسب، وعلم الله كامل لا يسبقه جهل.
وكذلك ما ثبت من صفة القدم؛ فهي صفة تليق بالله سبحانه، ولا يجوز قياسها على أقدام المخلوقين.
ولهذا نقلت الفتوى عن الذهبي أن اليد والقدم وغيرهما تكون بحسب ما تضاف إليه، وأن مجرد الاشتراك في اللفظ لا يجعل الصفات متماثلة.
هل نستطيع تصور كيفية صفات الله؟
لا.
قال الله تعالى:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾
[الشورى: 11]
ونقلت الفتوى عن الطحاوي قوله:
«لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام، ولا يشبه الأنام».
كما نقلت عن ابن قدامة:
«لا تمثله العقول بالتفكير، ولا تتوهمه القلوب بالتصوير».
فالمطلوب هو فهم معنى النص والإيمان به، وليس تكوين صورة ذهنية لكيفية الصفة.
ما الموقف الصحيح عند ورود الشبهات؟
الأصل أن يُرجع المسلم إلى النصوص وكلام أهل العلم الموثوقين، وألا يبني اعتقاده على تصورات ذهنية أو مقاطع جدلية مقتطعة.
والتفكير في الاعتراضات يمكن أن يكون نافعًا لطالب العلم إذا كان مؤصلًا ويعرف كيف يميز بين إثبات المعنى وتخيل الكيفية، لكن لا ينبغي أن يتحول ذلك إلى انشغال دائم بتفاصيل لم يرد بها نص.
الخلاصة
بحسب ما تقرره الفتوى، صفة القدم ثابتة لله تعالى بما ورد في السنة الصحيحة، ويثبتها المسلم من غير تشبيه ولا تكييف.
والاشتراك في لفظ «القدم» بين الخالق والمخلوق لا يعني الاشتراك في الحقيقة أو الكيفية، كما أن الاشتراك في ألفاظ السمع والبصر والعلم لا يعني المماثلة.
أما القول بأن القدم لا بد أن تكون على هيئة معينة أو تؤدي وظيفة معينة معروفة في المخلوقات، فهو دخول في كيفية لم يخبرنا الله بها.
فالمنهج هو: إثبات ما ورد، ونفي مماثلة المخلوقين، وعدم الخوض في الكيفية.
والله أعلم.