الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
اختلف أهل العلم في موت الملائكة عند قيام الساعة؛ فذهب أكثرهم إلى أنهم يموتون، وذهب آخرون إلى أنهم لا يموتون. ولم يثبت حديث صحيح صريح يحسم المسألة بتفاصيلها، وإنما استدل القائلون بموتهم بعمومات من القرآن. أما القصة المشهورة التي تصف موت جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت بالتفصيل، فلا تصح، والحديث الذي تُروى منه هذه التفاصيل ضعيف منكر. ولذلك فالأولى الوقوف عند ما ثبت وعدم الجزم بتفاصيل عالم الغيب التي لم يصح بها دليل.
القول الأول: أن الملائكة تموت
ذهب أكثر أهل العلم إلى أن الملائكة تموت، واستدلوا بقول الله تعالى:
﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾
[القصص: 88]
فقالوا: إن عموم الآية يشمل المخلوقات، ومن بينها الملائكة. وقد نُقل هذا القول عن جماعة من أهل العلم، بل نقل بعضهم الإجماع عليه، وإن كانت المسألة في حقيقتها محل خلاف.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إن الذي عليه أكثر الناس أن جميع الخلق يموتون، حتى الملائكة وملك الموت.
هل ثبت حديث صحيح يصف موت جبريل وبقية الملائكة؟
لا يثبت في ذلك حديث صحيح صريح.
هناك حديث طويل يعرف بـحديث الصور، وفيه ذكر موت حملة العرش، ثم جبريل وميكائيل، ثم ملك الموت، لكنه حديث ضعيف معلول.
وقد ضعفه عدد من أئمة الحديث؛ فنُقل عن البخاري أنه قال عن حديث الصور: «لم يصح»، كما ضعفه أحمد والدارقطني والبيهقي وابن حجر وغيرهم، وحكم عليه الألباني بأنه منكر.
ولذلك لا يصح بناء اعتقاد تفصيلي عن موت الملائكة على هذا الحديث.
ما حكم القصة المنتشرة عن موت الملائكة واحدًا بعد الآخر؟
القصة المتداولة التي تقول إن ملك الموت يذهب أولًا إلى جبريل فيقبض روحه، ثم إلى ميكائيل، ثم إسرافيل، ثم يأمره الله أن يموت بين الجنة والنار، وتتضمن وصف بكائهم وسكرات موتهم وصيحاتهم؛ لا تثبت بهذه التفاصيل.
بل إن اللفظ المتداول لهذه القصة لم يُرو بإسناد معروف، وإنما ذكره ابن الجوزي في بستان الواعظين بلا إسناد، مع كون أصل حديث الصور نفسه لا يصح.
ولهذا لا ينبغي نشر هذه القصة على أنها حديث أو حقيقة ثابتة عن يوم القيامة.
ماذا عن قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾؟
قال تعالى:
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾
[الزمر: 68]
استدل بعض أهل العلم بهذه الآية على أن من الملائكة من يُستثنى من الصعق.
لكن هذا لا يحسم مسألة موتهم؛ لأن استثناء بعضهم من الصعقة لا يلزم منه أنهم لا يموتون بعد ذلك. ولهذا بقيت المسألة محل خلاف بين العلماء.
القول الثاني: أن الملائكة لا تموت
ذهب ابن حزم وبعض المفسرين إلى أن الملائكة لا تموت.
واستدلوا بعدة أدلة، منها حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ كان يقول:
«أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُونَ»
[رواه البخاري ومسلم]
فاستدل بعضهم بتخصيص الجن والإنس بالذكر على عدم موت الملائكة.
لكن الجمهور أجابوا بأن الحديث لا يدل على أن كل ما سوى الجن والإنس لا يموت، فلا يكون نصًا حاسمًا في المسألة.
لماذا يصعب الجزم بأحد القولين؟
لأن المسألة من عالم الغيب، والغيب لا يعرف بالتخمين، وإنما بالوحي.
قال تعالى:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾
[الإسراء: 36]
وقد قررت الفتوى أن الخلاف في موت الملائكة خلاف معتبر، وأن المسألة لا يترتب عليها عمل أو أصل من أصول الدين، ولو كانت معرفتها ضرورية لجاءت فيها نصوص صحيحة صريحة تحسمها.
هل نعرف مصير كل مَلَك بعد موت الإنسان؟
لا ينبغي الجزم بتفاصيل لم يخبرنا بها الوحي.
فعلى سبيل المثال، لا يوجد نص يبين بالتفصيل ماذا يحدث للملكين الموكلين بكتابة أعمال الإنسان بعد موته، وهل يموتان حينئذ أو يبقيان، وأين يذهبان.
ولهذا قررت اللجنة الدائمة أن أحوال الملائكة من الغيبيات التي لا تعرف إلا بالنص، وأن ما لم يرد فيه دليل يترك علمه لله تعالى.
الخلاصة
اختلف العلماء في موت الملائكة؛ فذهب أكثر أهل العلم إلى أنهم يموتون، وذهب آخرون إلى عدم موتهم، ولا يوجد حديث صحيح صريح يحسم تفاصيل المسألة.
أما القصة المشهورة التي تروي موت جبريل ثم ميكائيل ثم إسرافيل ثم ملك الموت، وتصف كلام كل واحد منهم وسكرات موته، فلا تصح ولا يجوز نسبتها إلى النبي ﷺ على أنها حديث ثابت.
والأولى في مثل هذه المسائل الغيبية أن نؤمن بما جاء به القرآن والسنة الصحيحة، وأن نتوقف فيما لم يثبت؛ فمعرفة هذه التفاصيل ليست مما يتوقف عليه إيمان المسلم أو عمله.
والله أعلم