الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
نعم، يصح تفسير «الرَّب» بالمربّي؛ فالمربّي أحد المعاني الصحيحة الداخلة في معنى الرب، وليس معنى منفصلًا عن دلالته. ولفظ «الرب» في اللغة والقرآن أوسع من معنى واحد، فيشمل المالك، والسيد، والمدبّر، والمربّي، والمنعِم، وغيرها من المعاني المتقاربة التي تجتمع في حق الله تعالى.
لفظ «الرَّب» في اللغة العربية له معانٍ متعددة، منها: المربّي، والمالك، والسيد، والمدبّر، والقيّم، والمنعِم.
وهذه المعاني ليست متعارضة، بل يجمعها معنى تولّي الشيء وإصلاحه والقيام عليه، بحسب السياق.
ولهذا فإن وصف الله تعالى بأنه رب العالمين يتضمن هذه المعاني مجتمعة؛ فهو سبحانه خالق العالمين، ومالكهم، ومدبّر شؤونهم، والمنعم عليهم، والمربي لهم.
قال تعالى:
{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}
[الفاتحة: 2]
وقال تعالى:
{قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ}
[الأنعام: 164]
فربوبية الله تعالى للعالمين تشمل قيامه سبحانه بخلقهم وتدبيرهم ورعايتهم والإنعام عليهم.
ليس كذلك؛ فتفسير «الرب» بالمربّي ليس معنى انفرد به الشيخ السعدي، بل سبقه إليه عدد من أهل التفسير واللغة.
قال الثعلبي في تفسيره إن «الرب» يأتي بمعنى المربّي، وذكر هذا المعنى أيضًا الرازي والقرطبي وغيرهما.
ومن أوضح من بيّن هذا المعنى الشيخ السعدي عند تفسير قوله تعالى: {رَبِّ الْعَالَمِينَ}، فقال إن الرب هو الذي يربي جميع العالمين بخلقهم، وإعدادهم، وإنعامه عليهم بالنعم التي لا يمكن لهم البقاء بدونها.
وبيّن أن تربية الله تعالى لعباده نوعان: تربية عامة تشمل خلقهم ورزقهم وهدايتهم إلى ما فيه مصالحهم، وتربية خاصة لأوليائه، تشمل توفيقهم للإيمان والخير ودفع ما يحول بينهم وبين ذلك.
فهذا التفسير لا يعني حصر معنى «الرب» في مجرد التربية، وإنما يشرح جانبًا أصيلًا من معنى الربوبية.
ومن المهم ألا يُفهم تفسير «الرب» بالمربّي على أنه استبدال أحد المعاني بمعنى آخر، بحيث يقال إن «الرب» يعني التربية فقط.
بل المعنى أوسع من ذلك؛ فالله تعالى هو المنشئ والخالق، والمربّي، والمالك، والمنعم، والمدبّر.
وقد بيّن ابن تيمية أن «الرب» هو المربي الخالق الرازق الناصر الهادي، وأن اسم الرب من الأسماء التي تناسب مقام سؤال الله والاستعانة به؛ ولهذا تكثر الأدعية بلفظ «رب».
ومن ذلك قوله تعالى:
{رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ}
[نوح: 28]
وقوله تعالى:
{رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}
[الأعراف: 23]
فاسم «الرب» يتضمن معنى عناية الله بعبده وتولّيه له، كما يتضمن خلقه ورزقه وتدبيره وهدايته.
نعم، قد يذكر المفسر معنى من معاني «الرب» بحسب السياق الذي يتحدث عنه، دون أن يعني ذلك أن بقية المعاني غير داخلة في أصل الكلمة.
ولهذا فإن قول المفسر: «الرب هو المربي» لا يعني أن معنى «الرب» محصور في التربية، وإنما قد يكون المقصود بيان أحد أبرز المعاني التي يتضمنها اللفظ في ذلك الموضع.
ومن هنا يتبين أن تفسير السعدي لقوله تعالى {رَبِّ الْعَالَمِينَ} بالمربي تفسير صحيح، وهو معنى ذكره أهل العلم قبله، مع بقاء المعاني الأخرى الداخلة في مفهوم الربوبية.
تفسير «الرَّب» بالمربّي تفسير صحيح، وليس معنى مستحدثًا أو خاصًا بالشيخ السعدي.
فلفظ «الرب» أوسع من معنى واحد، ويشمل المربي والمالك والسيد والمدبر والمنعم وغيرها من المعاني المتقاربة. وربوبية الله تعالى للعالمين تشمل خلقهم وتدبيرهم ورزقهم وتربيتهم وإنعامه عليهم.
والله أعلم.