الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
نؤمن بما أخبر الله تعالى به عن صفاته، ومنها التجلي والنزول، على الوجه اللائق بجلاله، من غير تشبيه صفاته بصفات المخلوقين ولا تكييف لكيفيتها. كما أن التجلي والنزول صفتان مختلفتان في المعنى، فلا يصح قياس أحدهما على الآخر.
ينبغي أن نعلّم أبناءنا أن الله سبحانه وتعالى لا مثيل له ولا شبيه، قال تعالى:
{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11].
فنحن نؤمن بصفات الله كما أخبر بها عن نفسه أو أخبر بها رسوله صلى الله عليه وسلم، مع اعتقاد أن هذه الصفات لا تشبه صفات المخلوقين.
والله سبحانه قادر على ما لا يقدر عليه البشر، فهو سبحانه يسمع جميع الأصوات، ويبصر جميع خلقه، ويفعل ما يشاء، ولا يقاس فعل الخالق سبحانه بأفعال المخلوقين.
ولهذا، إذا أخبرنا الله تعالى أو أخبر رسوله صلى الله عليه وسلم عن نزول الله سبحانه، فإننا نؤمن بهذا النزول على الوجه الذي يليق بالله، من غير أن نتخيل كيفيته أو نشبهه بنزول المخلوق.
من المهم التفريق بين التجلي والنزول؛ فليس كل صفة من صفات الله يلزم أن يكون لها الأثر نفسه الذي يترتب على صفة أخرى.
فالتجلي هو الظهور والبيان للعيان، وقد أخبر الله تعالى عن تجليه للجبل في قصة موسى عليه السلام، فقال:
{قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا} [الأعراف: 143].
وقد ذكر ابن كثير في تفسير هذه الآية أقوالًا عن السلف في معنى التجلي، منها أن الله سبحانه لما تجلى للجبل ظهر له من ذلك ما لم يحتمل، فصار الجبل دكًّا، وخر موسى عليه السلام صعقًا. وذكر الطبري نحو ذلك في تفسير الآية.
وهذا يبيّن أن ما وقع للجبل كان متعلقًا بالتجلي المذكور في الآية، ولا يصح أن يُجعل ذلك لازمًا لكل صفة أخرى من صفات الله تعالى.
أما النزول، فنحن نؤمن بما ثبت في الأحاديث المتواترة من أن الله سبحانه وتعالى ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل، نزولًا يليق بجلاله وعظمته.
ولا نعلم كيفية هذا النزول، ولا يجوز لنا أن نتخيله أو نكيفه بقياسه على نزول المخلوقين.
فنزول الله سبحانه ليس كنزول البشر الذي يكون بالانتقال المعتاد من مكان إلى مكان، ولا يلزم من إثبات نزوله أن يكون كحركة المخلوقين أو أن يترتب عليه ما يترتب على أفعالهم.
بل نؤمن بأنه سبحانه ينزل إلى السماء الدنيا وهو على عرشه، فوق جميع خلقه، ولا نحيط بكيفية ذلك؛ لأن صفات الله سبحانه لا تشبه صفات خلقه.
قال تعالى:
{وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110].
ومن هنا يظهر أن السؤال عن سبب عدم حدوث شيء محسوس في العالم عند النزول مبني على قياس نزول الخالق سبحانه على نزول المخلوق، وهذا قياس غير صحيح؛ لأن الله تعالى ليس كمثله شيء، ولا يجوز أن نتخيل صفاته على هيئة صفات البشر.
الواجب على المسلم أن يثبت ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.
فكما أننا نؤمن بأن الله سبحانه وتعالى يسمع ويبصر، ولا نتصور كيفية سمعه وبصره، كذلك نؤمن بنزوله وتجليه على الوجه اللائق به سبحانه، ولا نتكلف معرفة الكيفية.
والفرق بين صفات الخالق وصفات المخلوق أصل مهم في باب الاعتقاد؛ فاشتراك الأسماء في أصل المعنى لا يعني التشابه في الحقيقة والكيفية.
التجلي والنزول صفتان ثابتتان لله تعالى، لكنهما مختلفتان في المعنى، ولا يجوز قياس إحداهما على الأخرى. فالتجلي للجبل ترتب عليه ما أخبر الله به من جعله دكًّا وخرور موسى صعقًا، أما النزول إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل فنؤمن به كما ثبت في السنة، من غير تشبيه ولا تكييف ولا تخيل لكيفيته.
والأصل الجامع في ذلك كله قول الله تعالى:
{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11].
والله أعلم