احاديث
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (من سلك طريقًا يلتمسُ فيه علمًا، سهَّل اللهُ له طريقًا إلى الجنَّةِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (مَن يُرِدِ اللهُ بِه خَيرًا يُفقِّهْهُ في الدِّينِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (طلَبُ العِلمِ فَريضةٌ علَى كلِّ مُسلِمٍ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (إذا مات الإنسانُ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ؛ صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنتَفَعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدْعو له)
العقيده الاسلاميه الاسماء والصفات في الاسلام 646 2026-09-14

هل يجوز إطلاق لفظ «الشخص» على الله تعالى؟ بيان دلالة الحديث وأقوال العلماء

السؤال
ورد في الحديث الصحيح قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا شخص أغير من الله»، وقد وجدت بعض أهل العلم يستدلون بهذا الحديث على جواز إطلاق لفظ «الشخص» على الله تعالى. فهل يصح وصف الله سبحانه بأنه «شخص»
الإجابة

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

يجوز إطلاق لفظ «الشخص» على الله تعالى والإخبار عنه سبحانه بأنه «شخص»، لأن هذا اللفظ ورد في السنة الصحيحة، وإطلاقه على الله صحيح من جهة اللفظ والمعنى عند من أثبته من أهل السنة.

ثبوت لفظ «الشخص» في السنة

ثبت إطلاق هذا اللفظ في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن سعد بن عبادة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

«أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ فَوَاللَّهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي، مِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ...» رواه مسلم (1499).

وروى البخاري الحديث بلفظ: «لا أحد»، ونقل كذلك لفظ «لا شخص أغير من الله» عن أحد رواة الحديث، كما عقد البخاري بابًا بقوله: «باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا شخص أغير من الله».

وقد استدل بعض أهل العلم بذلك على جواز إطلاق لفظ «الشخص» على الله تعالى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق بربه سبحانه، وما أخبر به عنه في هذا الباب يجب قبوله.

معنى «الشخص» في اللغة

ذكر أهل اللغة أن الشخص هو ما ظهر وارتفع، ومن معانيه: الذات القائمة بنفسها الظاهرة المتميزة عن غيرها.

وعلى هذا المعنى لا يلزم من إطلاق اللفظ على الله تعالى تشبيهٌ بالمخلوقين؛ فإن إثبات اللفظ الوارد في السنة لا يعني إثبات الخصائص التي تكون للأشخاص من المخلوقين.

وقد بيّن الشيخ عبد الله الغنيمان أن مقصود الإمام البخاري من تبويبه هو إثبات هذا اللفظ لله تعالى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أثبته له، وهو أعلم الخلق بالله وما يجب له وما يمتنع عليه.

لماذا منع بعض العلماء إطلاق «الشخص» على الله؟

ذهب بعض شُرَّاح الحديث إلى منع إطلاق لفظ «الشخص» على الله تعالى، وحاولوا تأويل اللفظ الوارد في الحديث.

ومن أشهر ما استندوا إليه أن لفظ «الشخص» عندهم قد يفهم منه الجسم والحجم، وهذه معانٍ لا يجوز إثباتها لله سبحانه.

لكن هذا الاستدلال مبني على تفسير لفظ «الشخص» بمعنى معين لم يرد في الحديث، ثم بناء الحكم عليه. أما إذا أريد به الذات المعيَّنة القائمة بنفسها الظاهرة، فهذا المعنى لا يلزم منه وصف الله سبحانه بما لا يليق به.

كما أن لفظ «الجسم» نفسه من الألفاظ المجملة التي لم يرد في الشرع إثباتها لله تعالى ولا نفيها عنه بإطلاق؛ ولذلك لا يصح جعل مجرد احتمال معنى باطل في لفظ «الشخص» سببًا لرد اللفظ الذي ثبت في السنة.

دلالة الحديث على إطلاق اللفظ

من أقوى ما استُدل به على جواز إطلاق «الشخص» على الله تعالى أن الحديث جاء بصيغة نفي الجنس:

«لا شخص أغير من الله».

وهذه الصيغة تفيد أن المفضَّل عليه داخل في جنس اللفظ المذكور؛ فقولك: «لا رجل أكرم من زيد» يدل على أن زيدًا رجل.

وعليه، فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا شخص أغير من الله» يدل من جهة هذا الأسلوب العربي على دخول الله تعالى في جنس من أطلق عليه لفظ «الشخص»، دون أن يلزم من ذلك مماثلته للمخلوقين.

وقد نقل القاضي أبو يعلى عن بعض أهل الحديث القول بجواز إطلاق اللفظ لهذا السبب، واستدل بالحديث نفسه على ذلك.

لا يلزم من إثبات اللفظ التشبيه

المقصود بإثبات «الشخص» لله تعالى عند من يثبته هو إثبات ما دل عليه النص، من غير تشبيه ولا تمثيل ولا اعتقاد أن الله تعالى يشبه الأشخاص من خلقه.

فأهل السنة يفرّقون بين الاشتراك في أصل المعنى اللغوي وبين التماثل في الحقيقة والكيفية؛ فالله سبحانه ليس كمثله شيء، وصفاته وذاته لا تشبه ذوات المخلوقين وصفاتهم.

وقد ثبت عن عدد من أئمة أهل السنة إثبات هذا الإطلاق، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، كما نُقل عن القاضي أبي يعلى وغيره الاستدلال بالحديث على جوازه.

أما من أوّل اللفظ أو منعه، فقد حمله على معانٍ مخصوصة رأى أنها لا تليق بالله تعالى، ولذلك اختلفوا في طريقة فهم الحديث.

الخلاصة

يصح إطلاق لفظ «الشخص» على الله تعالى والإخبار عنه بذلك؛ لثبوته في السنة الصحيحة، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا شخص أغير من الله». ولا يلزم من هذا الإطلاق تشبيه الله تعالى بالمخلوقين؛ لأن إثبات ما ورد في النصوص لا يعني إثبات خصائص المخلوقين لله سبحانه.

والواجب أن يثبت المسلم ما جاء في الكتاب والسنة على الوجه اللائق بالله تعالى، مع تنزيهه عن مماثلة خلقه، قال سبحانه:

{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11].

والله أعلم.