الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
الاستحلال المقصود عند أهل السنة والجماعة هو اعتقاد أن ما حرمه الله حلال، كمن يعتقد أن الزنا أو الخمر أو الربا مباح، مع علمه بأن الله ورسوله حرماه. فهذا الاستحلال الاعتقادي كفر إذا كان في أمر معلوم تحريمه من الدين بالضرورة، ولم يكن صاحبه معذورًا بجهل أو تأويل.
أما مجرد فعل المعصية، أو الإصرار عليها، أو تكرارها، فلا يُعد استحلالًا لها ما دام صاحبها يعتقد أنها حرام، ويقر بحكم الله فيها، وإن غلبته شهوته أو ضعف إيمانه. ولهذا فإن من يشرب الخمر، أو يزني، أو يتعامل بالربا، وهو يعترف بتحريم ذلك ويقول: "أعلم أنه حرام، لكني ضعفت أمام شهوتي"، فهو مسلم عاصٍ مرتكب لكبيرة، وليس كافرًا بمجرد فعله للمعصية.
وكذلك حب المعصية ليس على درجة واحدة؛ فإن كان سببه ميل النفس إلى الشهوة مع اعتقاد تحريمها، فهذا من ضعف الإيمان، ولا يخرج صاحبه من الإسلام، وإن كان يجب عليه مجاهدة نفسه والتوبة إلى الله. أما إذا كان حب المعصية ناشئًا عن كراهية حكم الله، أو رفض تحريمه، أو عدم الرضا بشرعه، فهذا يناقض الإيمان، لأن المؤمن يرضى بحكم الله وإن خالف هواه.
ولهذا فرَّق أهل العلم بين من يعصي وهو منقاد لحكم الله، وبين من يرفض حكم الله أو يستكبر عن قبوله؛ فالأول فاسق ناقص الإيمان، والثاني قد يقع في الكفر إذا توفرت شروطه وانتفت موانعه.
ومع ذلك، فإن الإصرار على الذنوب خطر عظيم؛ لأنه يضعف القلب، ويقسيه، وقد يكون سببًا للانحراف عن الحق إذا لم يتب صاحبه، ولهذا قال بعض السلف: "المعاصي بريد الكفر"، أي أنها قد تكون طريقًا يوصل إليه، وإن لم تكن كفرًا في نفسها.
وخلاصة الجواب: الاستحلال هو اعتقاد حلِّ ما حرمه الله، وليس مجرد فعله. فمن أصر على معصية وهو يعتقد تحريمها، فهو مسلم عاصٍ لا يكفر بذلك، أما من أنكر تحريمها، أو كره حكم الله فيها، أو رفض الانقياد له، فهذا هو الاستحلال الذي قد يخرج من الإسلام بعد تحقق شروط التكفير وانتفاء موانعه.
والله أعلم