احاديث
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (من سلك طريقًا يلتمسُ فيه علمًا، سهَّل اللهُ له طريقًا إلى الجنَّةِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (مَن يُرِدِ اللهُ بِه خَيرًا يُفقِّهْهُ في الدِّينِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (طلَبُ العِلمِ فَريضةٌ علَى كلِّ مُسلِمٍ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (إذا مات الإنسانُ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ؛ صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنتَفَعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدْعو له)
العقيده الاسلاميه الاسماء والصفات في الاسلام 732 2026-09-14

هل النور المذكور في حديث «فألقى عليهم من نوره» صفة لله أم نور مخلوق

السؤال
ورد في الحديث: «إن الله عز وجل خلق خلقه في ظلمة، فألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل...»، فما المقصود بقوله: «من نوره»؟ وهل المراد نور مخلوق، أم نور صفة من صفات الله تعالى؟ وكيف نفهم كلمة «من» إذا كانت للتبعيض، مع أن صفات الله تعالى لا تنفصل عنه ولا تتجزأ
الإجابة

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

النور المذكور في هذا الحديث هو نور صفة الله تعالى، وليس نورًا مخلوقًا منفصلًا عنه، ولا يلزم من قوله «فألقى عليهم من نوره» أن تنفصل الصفة عن الله تعالى أو تتجزأ؛ فالصفة قائمة بموصوفها، وإنما يحصل للخلق أثرها وما يترتب عليها من الهداية والتنوير.

صحة الحديث ومعنى «من نوره»

روى الحديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وفيه:

«إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ، فَأَلْقَى عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ، فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ ذَلِكَ النُّورِ اهْتَدَى، وَمَنْ أَخْطَأَهُ ضَلَّ، فَلِذَلِكَ أَقُولُ: جَفَّ الْقَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ».

رواه أحمد والترمذي وابن حبان، وحسنه الترمذي، وصححه الألباني في «صحيح الترمذي».

والنور في الحديث مضاف إلى الله تعالى، والمقصود به نور الصفة، كما قرر ذلك ابن القيم رحمه الله، فذكر أن النور تارة يطلق على الله سبحانه، وتارة يضاف إليه باعتباره صفة له، كما تضاف إليه الحياة والسمع والبصر والعزة والقدرة والعلم.

وعليه، فليس المراد أن الله تعالى ألقى على الخلق شيئًا مخلوقًا يسمى «نوره» ثم انفصل عنه، وإنما المراد ما يحصل للخلق من أثر هذا النور وتنويره وهدايته.

هل «من» في الحديث للتبعيض؟

لفظ «من» يمكن أن يُبحث من جهة دلالته اللغوية، لكن لا يصح أن يُفهم التبعيض هنا على معنى أن صفة الله تعالى انقسمت أو انفصل جزء منها عن الله سبحانه.

فحتى لو قيل إن «من» تبعيضية، فالتبعيض هنا لا يعني تجزؤ الصفة أو انفصالها عن الموصوف.

وهذا أمر مهم في باب صفات الله تعالى؛ لأن الصفات القائمة بالله سبحانه لا تُفهم على طريقة صفات المخلوقين التي تقبل الانفصال والتجزؤ.

فالحديث يخبر عن تنوير الله تعالى لخلقه، وعن أثر نوره فيهم، فمن وافقه ذلك النور اهتدى، ومن لم يصبه ضل.

الفرق بين نور الصفة والنور المخلوق

ينبغي التفريق بين نوعين من النور:

الأول: نور هو صفة لله تعالى، وهو غير مخلوق.

وقد دل على ذلك ما ورد من النصوص في نور الله تعالى، ومن ذلك قوله سبحانه:

﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾
[الزمر: 69].

وكذلك ما جاء في الحديث: «حجابه النور».

الثاني: النور المخلوق، كنور الشمس والقمر والنجوم والنار والكهرباء، فهذا مخلوق من خلق الله تعالى.

قال سبحانه:

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾
[يونس: 5].

وقال تعالى:

﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾
[النبأ: 13].

فلا يصح الخلط بين نور الصفة الذي هو غير مخلوق، وبين الأنوار الحسية التي خلقها الله تعالى.

هل يلزم من تنوير الخلق أن تنتقل الصفة إليهم؟

لا يلزم ذلك.

فالصفة قد يكون لها أثر في غير الموصوف من غير أن تفارق الموصوف.

ويمكن تقريب المعنى بمثال من المخلوقات، مع التنبيه إلى أن صفات الله تعالى لا تشبه صفات خلقه: فالشمس لها نور قائم بها، ومع ذلك ينتفع أهل الأرض بنورها وتستنير به الأشياء، ولا يعني ذلك أن ذات الشمس أو صفة النور فيها قد انتقلت إلى الأرض.

فالمقصود في الحديث حصول أثر النور والتنوير، وليس انتقال ذات الصفة وانفصالها عن الله تعالى.

النور من صفات الله تعالى

قرر ابن القيم رحمه الله أن النور من أسماء الله تعالى ومن أوصافه، وذكر أن النور المضاف إلى الله سبحانه قد يأتي بمعنى صفة قائمة به، وليس المقصود به نورًا مخلوقًا منفصلًا عنه.

وقال ابن باز رحمه الله في التفريق بين النوعين: إن هناك نورًا مخلوقًا، كنور الشمس والقمر والنار والكهرباء، وهناك نور غير مخلوق، وهو من صفات الله تعالى، كنور وجهه سبحانه.

وعليه، فالواجب إثبات ما ثبت في النصوص من صفة النور لله تعالى، من غير تشبيه ولا تكييف ولا تصور لانفصال الصفة عن الله سبحانه.

الخلاصة

الصواب أن النور المذكور في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما هو نور صفة لله تعالى، وليس نورًا مخلوقًا منفصلًا عنه.

وقوله: «فألقى عليهم من نوره» لا يعني أن صفة النور انفصلت عن الله تعالى أو تجزأت، بل المراد حصول التنوير وأثر النور في الخلق.

أما النور المخلوق، كضوء الشمس والقمر والنار والكهرباء، فهو شيء آخر، وهو من مخلوقات الله تعالى.

وعليه، ففهم «من» على أنها تبعيضية لا يستلزم أبدًا القول بانفصال جزء من صفة الله تعالى عنه؛ فهذا لازم باطل لا يدل عليه الحديث، ولا يلزم من لفظه.

والله أعلم.