الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
لا تعارض بين القول بأن رحمة الله تعالى صفة عظيمة لا يحيط بها الخلق، وبين ورود النص بأن الله خلق مائة رحمة؛ لأن الحديث يتحدث عن رحمة مخلوقة، أما الرحمة التي هي صفة لله تعالى فليست مخلوقة.
الرحمة المضافة إلى الله تعالى تأتي على معنيين:
الأول: الرحمة التي هي صفة لله تعالى.
وهذه صفة ثابتة له سبحانه، وهي غير مخلوقة، كما قال تعالى:
وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ [الكهف: 58].
فالله سبحانه هو الرحمن الرحيم، ورحمته من صفاته التي تليق بجلاله، ولا يصح أن يقال إن هذه الصفة هي المائة رحمة المذكورة في الحديث أو أنها جزء مخلوق منفصل عنه سبحانه.
الثاني: الرحمة المخلوقة التي جعلها الله أثرًا من آثار رحمته.
وهذه هي التي ورد فيها الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«إنَّ اللهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً وَاحِدَةً...».
رواه البخاري (6469).
وفي رواية مسلم (2725):
«إنَّ للهِ مِائةَ رحمةٍ، أنزلَ منها رحمةً واحدةً بينَ الجنِّ والإنسِ والبهائمِ والهوامِّ، فبها يتعاطفونَ، وبها يتراحمونَ، وبها تعطفُ الوحشُ على ولدِها، وأخَّرَ اللهُ تسعًا وتسعينَ رحمةً، يرحمُ بها عبادَه يومَ القيامةِ».
فالحديث يتحدث عن مائة رحمة مخلوقة، جعل الله منها رحمة واحدة في الدنيا، وادخر تسعًا وتسعين ليوم القيامة.
وقد قررت اللجنة الدائمة أن هذه الرحمة المخلوقة ليست هي صفة الرحمة القائمة بالله تعالى؛ لأن صفات الله غير مخلوقة.
وبيّن الشيخ ابن عثيمين رحمه الله أن الرحمة نوعان: رحمة هي صفة الله تعالى، وهذه غير مخلوقة، ورحمة مخلوقة هي أثر من آثار رحمته سبحانه.
لا يلزم من الحديث أن تكون صفة رحمة الله تعالى محدودة بمائة جزء؛ لأن المائة رحمة المذكورة في الحديث ليست هي صفة الله، وإنما هي مخلوقات خلقها الله وجعلها مظاهر وآثارًا لرحمته.
ومن الخطأ أن يخلط الإنسان بين الصفة وبين آثار الصفة ومخلوقاتها.
فكما أن الله تعالى هو الخالق، وأن المخلوقات التي خلقها لا تعني أنها جزء من صفة الخلق أو من ذات الله، فكذلك الرحمة المخلوقة المذكورة في الحديث ليست جزءًا من ذات الله تعالى ولا من صفته.
ولهذا فالحديث لا يتعارض مع إثبات عظمة رحمة الله وسعتها.
بل الكفار تنالهم أنواع من رحمة الله في الدنيا؛ فالله سبحانه يرزقهم، ويعافيهم، ويهبهم الأموال والأولاد، ويمهلهم، ويرسل إليهم الرسل، وينزل الكتب، ويفتح لهم أبواب التوبة.
قال ابن الجوزي رحمه الله إن من عموم رحمة الله إرسال الرسل وإمهال المذنبين، فإذا جحد الكافر وعاند، لم يكن مستحقًا لرحمة الآخرة التي هي دخول الجنة.
أما في الآخرة، فالله تعالى يحكم بين عباده بالعدل، فلا يستوي من آمن بالله وأطاعه بمن كفر به وعاند رسله.
قال تعالى:
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [الجاثية: 21].
وقال سبحانه:
أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [ص: 28].
وقال تعالى:
أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [القلم: 35-36].
رحمة الله تعالى لا تعني تعطيل العدل أو أن يُعامل جميع الناس معاملة واحدة مهما اختلف إيمانهم وأعمالهم.
فالله سبحانه رحيم عدل حكيم؛ يرحم من يشاء برحمته، ويعاقب من استحق العقوبة بعدله وحكمته.
ومن هنا يتبين أن عدم دخول الكافر الجنة لا يعني انتفاء رحمة الله عنه مطلقًا، كما أن دخوله النار لا ينافي كون الله تعالى أرحم الراحمين.
وأما مجرد وجود سؤال أو إشكال في النفس بسبب عدم فهم هذا التفصيل، فليس ذلك بمجرده إثمًا، وإنما الواجب أن يسأل المسلم عن الأمر، ويطلب فهم النصوص على الوجه الصحيح، ولا يسترسل مع الشبهات.
الرحمة التي هي صفة لله تعالى غير مخلوقة، وهي غير الرحمة المخلوقة التي ورد في الحديث أنها مائة رحمة. فالمائة رحمة ليست أجزاءً من صفة الله، وإنما هي مخلوقات وآثار لرحمته سبحانه. ولذلك لا يصح الاستدلال بالحديث على أن صفة رحمة الله محدودة بمائة رحمة.
كما أن الكفار تنالهم من رحمة الله في الدنيا أنواع كثيرة، أما في الآخرة فالله تعالى يحكم بينهم بعدله وحكمته، فلا تتعارض رحمته مع عقوبة من استحق العذاب.
والله أعلم