احاديث
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (من سلك طريقًا يلتمسُ فيه علمًا، سهَّل اللهُ له طريقًا إلى الجنَّةِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (مَن يُرِدِ اللهُ بِه خَيرًا يُفقِّهْهُ في الدِّينِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (طلَبُ العِلمِ فَريضةٌ علَى كلِّ مُسلِمٍ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (إذا مات الإنسانُ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ؛ صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنتَفَعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدْعو له)
العقيده الاسلاميه الاسماء والصفات في الاسلام 607 2026-09-14

تفسير قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ وبيان المراد بـ«وجهه»

السؤال
ما التفسير الصحيح لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: 88]؟ وهل تفسير ابن كثير للوجه بأنه بمعنى الذات يُعد من عقيدة الأشاعرة ونفيًا لصفة الوجه عن الله تعالى
الإجابة

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ قولان مشهوران عند أهل التفسير: الأول أن المراد بوجه الله تعالى صفته، وأن كل شيء يفنى ويبقى وجه الله سبحانه، والثاني أن المراد: كل شيء هالك إلا ما أُريد به وجه الله، أي الأعمال الصالحة الخالصة له. ولا تعارض بين المعنيين، وتفسير ابن كثير للوجه بالذات لا يلزم منه نفي صفة الوجه عن الله تعالى.

أولًا: معنى قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾

قال الله تعالى:

﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: 88].

ذكر العلماء في معنى الآية قولين:

القول الأول: أن المراد بالوجه صفة الوجه التي تليق بالله تعالى، والمعنى: كل شيء فانٍ وزائل، ويبقى وجه الله سبحانه.

وهذا المعنى تؤيده آية الرحمن:

﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ۝ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 26-27].

والقول الثاني: أن المعنى: كل عمل هالك وباطل إلا ما أُريد به وجه الله، أي ما كان خالصًا لله تعالى وموافقًا للشرع.

وقد نقل البخاري عن مجاهد والثوري في تفسير الآية: «إلا ما أريد به وجهه».

وهذان المعنيان لا يلزم أن يتعارضا؛ إذ يمكن حمل الآية على بقاء وجه الله تعالى، وعلى بقاء الأعمال الصالحة التي أُريد بها وجهه سبحانه.

وقد رجح ابن عثيمين رحمه الله المعنى الأول، مع ذكره للمعنى الثاني، وبيّن أن في الآية دلالة على إثبات صفة الوجه لله تعالى.

ثانيًا: هل تفسير ابن كثير للوجه بالذات يعني نفي الصفة؟

قال ابن كثير رحمه الله في تفسير الآية:

«فعبر بالوجه عن الذات، وهكذا قوله ها هنا: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ أي: إلا إياه».

وهذا الكلام لا يلزم منه أن ابن كثير ينفي صفة الوجه عن الله تعالى؛ لأن العرب قد تعبر بالوجه عن الذات في بعض السياقات، كما أن إثبات هذا الاستعمال اللغوي لا يعني إنكار أن الوجه صفة ثابتة لله تعالى في مواضع أخرى.

بل ابن كثير نفسه صرّح بإثبات رؤية المؤمنين لوجه الله تعالى، وذكر عند تفسير قوله سبحانه:

﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26]

أن «الزيادة» تشمل النظر إلى وجه الله الكريم، وذكر أن ذلك أفضل نعيم أهل الجنة.

فلا يصح أن يُقال إن مجرد تفسيره «الوجه» في هذه الآية بالذات يلزم منه نفي صفة الوجه.

ثالثًا: صفة الوجه ثابتة لله تعالى

صفة الوجه ثابتة لله سبحانه بالكتاب والسنة.

قال تعالى:

﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 27].

وقال تعالى:

﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 272].

وقال:

﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ [الرعد: 22].

وجاءت السنة كذلك بإثبات ذلك، ومن ذلك حديث ابن عمر رضي الله عنهما في قصة أصحاب الغار، وفيه قول أحدهم:

«اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك، ففرج عنا ما نحن فيه»

رواه البخاري ومسلم.

وكذلك حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وفيه:

«إنك لن تُخلَّف فتعمل عملًا تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة»

رواه البخاري ومسلم.

وقد نص أئمة أهل السنة على إثبات صفة الوجه لله تعالى، مع نفي مماثلتها لوجوه المخلوقين.

قال ابن خزيمة رحمه الله: إن أهل السنة يثبتون لله ما أثبته لنفسه، من غير أن يشبهوا وجه الخالق بوجه أحد من المخلوقين.

الخلاصة

قوله تعالى:

﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾

يصح تفسيره بأن كل المخلوقات فانية، ويبقى وجه الله تعالى، كما يصح حمله على أن كل الأعمال تذهب إلا ما أُريد به وجه الله، ولا تعارض بين المعنيين.

أما تفسير ابن كثير للوجه في هذه الآية بالذات بأنه بمعنى الذات، فلا يعني نفي صفة الوجه عن الله تعالى؛ لأن ابن كثير نفسه أثبت رؤية المؤمنين لوجه الله تعالى، ونصوص الكتاب والسنة تثبت صفة الوجه لله سبحانه.

فالواجب إثبات ما أثبته الله لنفسه على الوجه اللائق بجلاله، من غير تشبيه ولا تكييف ولا تعطيل.

والله أعلم