الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
لا يصح تسمية الله تعالى بـ«المُجير» على أنه من أسمائه الحسنى؛ لأن أسماء الله تعالى توقيفية، ولم يثبت في الكتاب أو السنة الصحيحة تسمية الله بهذا الاسم.
أسماء الله الحسنى لا تثبت بمجرد العقل أو الاجتهاد، وإنما لا بد فيها من دليل شرعي؛ فلا يسمى الله تعالى إلا بما سمى به نفسه أو سماه به رسوله صلى الله عليه وسلم.
قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء: 36].
وقال سبحانه:
﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33].
ولهذا قرر أهل السنة أن أسماء الله تعالى توقيفية، فلا يزاد فيها ولا ينقص منها.
ورد في القرآن قوله سبحانه:
﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: 88].
وقد استدل بعض المتأخرين، ومنهم الشرباصي، بهذه الآية على أن «المُجير» من أسماء الله الحسنى.
لكن لا يصح جعل هذا الفعل الوارد في الآية اسمًا لله تعالى بمجرد الاشتقاق منه؛ لأن الآية أخبرت عن فعل الله سبحانه: أنه يُجير عباده، ولم ترد بتسمية الله بـ«المُجير».
وهنا يظهر الفرق المهم بين باب الأسماء وباب الصفات وباب الإخبار.
باب الأسماء أضيق من باب الصفات، وباب الصفات أضيق من باب الأخبار.
فقد يثبت لله تعالى فعل أو صفة، ولا يجوز أن نشتق منه اسمًا لم يرد به النص.
فمثلًا: ثبت أن الله تعالى يحب ويرضى ويغضب، فنثبت له صفات المحبة والرضا والغضب كما جاءت النصوص، لكن لا نشتق من هذه الأفعال أسماء فنقول: «المحب» أو «الغاضب» أو «الراضي» على أنها أسماء حسنى، ما لم يرد بذلك دليل.
وكذلك ثبت لله تعالى الكلام والإرادة والاستواء، فنثبت هذه الصفات، لكن لا يلزم من ذلك أن نسميه: «المتكلم» أو «المريد» أو «المستوي».
أما باب الإخبار عن الله تعالى فهو أوسع من باب الأسماء والصفات؛ فقد يخبر عنه بألفاظ صحيحة المعنى لا تكون أسماء حسنى ولا صفات ثابتة بالاصطلاح.
ولهذا ذكر ابن تيمية رحمه الله أن الإخبار عن الله تعالى أوسع من دعائه؛ فلا يُدعى الله إلا بأسمائه الحسنى، أما الإخبار عنه فقد يكون بألفاظ صحيحة المعنى لم تثبت أسماء له بها.
لأن مجرد ورود الفعل في النص لا يكفي لإثبات اسم مشتق منه.
فالآية تثبت أن الله تعالى يُجير من يشاء، وهذا من كمال قدرته وسلطانه ورحمته وحفظه لعباده، لكن لا يلزم من ذلك أن يكون «المُجير» اسمًا من أسمائه الحسنى.
وهذا من الدقة المهمة في باب أسماء الله وصفاته: ليس كل ما صح أن يوصف الله به أو يخبر عنه به يصح أن يكون اسمًا له.
لا يثبت «المُجير» اسمًا من أسماء الله الحسنى فيما نعلم؛ لأنه لم يرد دليل صحيح صريح بتسمية الله تعالى به، وما ورد في القرآن هو قوله سبحانه: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾، وهذا إخبار عن فعله سبحانه، وليس نصًا في إثبات اسم «المُجير».
والقاعدة أن باب الأسماء أخص من باب الصفات، وباب الصفات أخص من باب الإخبار؛ فلا يجوز اشتقاق أسماء الله من مجرد أفعاله إلا بدليل شرعي.
والله أعلم.