الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
الله تعالى كامل القدرة، لا يعجزه شيء من الممكنات، وقدرته سبحانه لا تتعلق بالمستحيل لذاته؛ لأن المستحيل العقلي ليس شيئًا موجودًا حتى تتعلق به القدرة. أما ما كان مستحيلًا عادةً، لكنه ممكن في ذاته، فالله تعالى قادر على فعله، وقد جعل منه ما شاء معجزات وكرامات وآيات.
من تأمل خلق السماوات والأرض، وما فيهما من عظيم المخلوقات ودقة النظام، علم أن الله تعالى على كل شيء قدير.
قال سبحانه:
﴿وَمَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: 51].
وأخبر سبحانه عن قدرته فقال:
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
فقدرة الله تعالى لا يحدها عجز، ولا يلحقها نقص، ولا يشبه قدرته قدرة المخلوقين.
قال الله تعالى:
﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: 82].
وهذا بيان لكمال قدرته وسرعة نفاذ أمره، وليس معناه أن الله تعالى محتاج إلى وسيلة أو سبب حتى يقدر على الخلق؛ فالله سبحانه غني عن خلقه، ولا يحتاج إلى شيء من مخلوقاته.
أما التفاصيل التي لم يرد بها النص، مثل السؤال عن الكيفية الدقيقة لخلق كل شيء، وهل يخلق سبحانه شيئًا دون أن يقول «كن»، فلا ينبغي التكلف في البحث عنها؛ لأننا لم نشهد خلق السماوات والأرض، ولم يخبرنا الله بكل تفاصيل كيفية الخلق.
ينبغي التفريق بين المستحيل عادةً والمستحيل لذاته.
المستحيل عادةً هو ما جرت العادة بامتناعه، لكنه ممكن في نفسه؛ كأن يطير الإنسان في الهواء بغير وسيلة، أو يبقى شخص في النار دون أن تحرقه، أو ينشق البحر، أو يحيي الله الموتى.
فهذه الأمور ليست مستحيلة في ذاتها، وإنما خارقة للعادة، والله تعالى قادر عليها، وقد وقع من ذلك ما شاء سبحانه على أيدي أنبيائه آيات ومعجزات.
قال تعالى عن إبراهيم عليه السلام:
﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: 69].
أما المستحيل لذاته فهو ما لا يمكن وجوده أصلًا، ويتضمن تناقضًا في نفسه.
الضدان هما أمران لا يجتمعان في محل واحد في الوقت نفسه، كالبياض والسواد بالنسبة إلى محل واحد من الجهة نفسها.
فإذا قيل: هل يستطيع الله أن يجعل الشيء أبيض وأسود في الوقت نفسه ومن الجهة نفسها؟
فالسؤال في حقيقته يتضمن جمع أمرين متناقضين في وصف واحد، وليس المقصود شيئًا حقيقيًا يمكن وجوده ثم يُقال: هل قدرة الله تتعلق به؟
ومثله أن يقال: هل يستطيع الله أن يجعل شخصًا واحدًا داخل البيت وخارجه في الوقت نفسه ومن الجهة نفسها؟
فهذا ليس شيئًا موجودًا يمكن أن تتعلق به القدرة، وإنما هو تصور ذهني لشيء يستحيل وجوده في الخارج.
وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن الممتنع لذاته ليس شيئًا أصلًا، ولذلك لا يدخل في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ لأن القدرة إنما تتعلق بالممكنات، أما ما يستحيل وجوده في ذاته فليس شيئًا حتى تتعلق به القدرة.
لا.
فالقول بأن المستحيل لذاته لا تتعلق به القدرة لا يعني وجود عجز في قدرة الله تعالى، وإنما يعني أن السؤال نفسه مبني على فرض غير صحيح.
فمثلًا: «خلق إله آخر مماثل لله» ليس شيئًا ممكنًا ثم يعجز الله عنه، بل هو محال في ذاته؛ لأن الإله الحق لا يكون مخلوقًا أصلًا.
وكذلك «خلق مربع دائري من الجهة نفسها وبالمعنى نفسه» ليس شيئًا ممكنًا حتى يقال: إن الله لم يقدر عليه.
فالقدرة لا يوصف صاحبها بالعجز عن اللاشيء.
مثل هذه الأسئلة قد تتحول إلى دوامة من الفرضيات العقلية التي لا نهاية لها، بينما الأولى بالمؤمن أن يتأمل في آيات قدرة الله المشهودة في نفسه وفي الكون.
قال تعالى:
﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: 21].
فخلق الإنسان، والسماوات، والأرض، وتعاقب الليل والنهار، ودقة نظام الكون؛ كلها دلائل ظاهرة على عظمة قدرة الله تعالى.
والواجب عند ورود الخواطر المقلقة ألا يسترسل الإنسان معها، بل يرجع إلى القرآن والسنة، ويتعلم أصول الاعتقاد الصحيحة، ويفرق بين ما هو ممكن في نفسه وما هو مستحيل لذاته.
الله تعالى على كل شيء قدير، وقدرته كاملة لا يلحقها عجز ولا نقص.
والله أعلم.