الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
يجوز التوسل إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته الثابتة بالكتاب والسنة، ومن ذلك صفة الضحك، كما يجوز الدعاء بما ورد في النصوص المتعلقة بالهرولة، على الوجه اللائق بالله تعالى، من غير تكييف ولا تمثيل.
التوسل إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته مشروع ثابت في السنة، فقد كان النبي ﷺ يقول:
«اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ».
رواه مسلم (486).
وفي حديث عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه، أن النبي ﷺ علَّمه أن يقول:
«أَعُوذُ بِاللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ».
رواه مسلم (2202).
فهذا يدل على مشروعية سؤال الله تعالى والتوسل إليه بأسمائه وصفاته.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
«مسألة الله بأسمائه وصفاته وكلماته: جائز مشروع، كما جاءت به الأحاديث».
ثبتت صفة الضحك لله تعالى في أحاديث صحيحة، منها قول النبي ﷺ:
«يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ يَدْخُلَانِ الْجَنَّةَ».
رواه البخاري (2826) ومسلم (1890).
وثبت كذلك في حديث آخر أن الله تعالى يضحك من عبده الذي يطلب منه النجاة، ثم يأذن له بدخول الجنة، كما في صحيح البخاري (806) وصحيح مسلم (182).
وعليه، فصفة الضحك ثابتة لله تعالى على الوجه اللائق بجلاله، من غير تشبيه بضحك المخلوقين ولا معرفة بكيفيتها.
قال ابن خزيمة رحمه الله في كتاب التوحيد إن الواجب الإيمان بأن الله يضحك كما أخبر النبي ﷺ، مع الإمساك عن كيفية ضحكه؛ لأن الله تعالى لم يطلع عباده على كيفية صفته.
وبناءً على ذلك، لا حرج في التوسل إلى الله بهذه الصفة في دعاء مناسب لمعناها، كأن يقول المسلم:
«يا من يضحك إلى عباده، ارحمني وقربني إليك».
أو يقول:
«يا من يضحك إلى عباده، لا تجعلني أشقى خلقك، وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين».
فالتوسل هنا مبني على صفة ثابتة في السنة، ولا يصح إنكار مشروعيته لمجرد أن هذا النوع من التوسل غير شائع في كلام الناس.
ورد في الحديث القدسي:
«وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً».
رواه البخاري (7405) ومسلم (2675).
وهذا الحديث لا يُحمل على مشابهة تقرُّب الله تعالى بتقرب المخلوقين؛ فليس المراد أن الله تعالى يمشي على هيئة مشي الإنسان، كما أن المراد بتقرب العبد ليس قطع مسافة حقيقية إلى الله تعالى.
والأظهر في تفسير ذلك أن تقرب العبد يكون بالطاعة والإقبال على الله، وأن تقرب الله من عبده يكون بالإثابة والفضل والرحمة والإحسان.
وعليه، يجوز للمسلم أن يدعو الله تعالى بما يناسب هذا المعنى، فيقول مثلًا:
«يا من وعدت من أتاه يمشي أن تأتيه هرولة، تقبل توبتي واغفر ذنبي».
أو:
«يا من قلت، وقولك الحق: من أتاني يمشي أتيته هرولة، تقبل توبتي وارحمني».
وهذا من باب الدعاء بما أخبر الله تعالى به عن نفسه، مع اعتقاد ما يليق به سبحانه، من غير تكييف ولا تمثيل.
قد يستغرب بعض الناس التوسل ببعض الصفات؛ لأنهم اعتادوا التوسل بأسماء الله وصفاته المشهورة كالعلم والقدرة والرحمة والمغفرة، لكن عدم شيوع استعمال صفة معينة في الدعاء لا يعني عدم جواز التوسل بها إذا ثبتت عن الله تعالى بدليل صحيح.
فالمرجع في إثبات صفات الله تعالى هو القرآن والسنة، لا مجرد ما اعتاده الناس من ألفاظ الدعاء.
ومع ذلك، ينبغي للمسلم أن يختار في دعائه الألفاظ الواضحة المناسبة لمقصوده، وأن يلتزم بما ثبت عن النبي ﷺ ما أمكنه ذلك.
يجوز التوسل إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته الثابتة في الكتاب والسنة، ومن ذلك صفة الضحك، كما يجوز الدعاء بما ورد في حديث الهرولة، مع حمل النصوص على ما يليق بالله تعالى، دون تكييف أو تمثيل.
فصفة الضحك ثابتة في السنة، والهرولة وردت في الحديث القدسي، ولا يجوز رد الصفات الثابتة لمجرد استغراب بعض الناس للتوسل بها أو عدم اعتيادهم هذا الأسلوب.
والواجب في باب الصفات إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ، مع تنزيه الله تعالى عن مشابهة خلقه.
والله أعلم