الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
لا يصح إطلاق عبارة «كن يد الله» على المخلوق؛ لأن «يد الله» صفة ثابتة لله تعالى، ولا يصح صرفها إلى معنى القدرة أو الرحمة بمجرد التأويل. أما قول «كن رحمة الله إلى خلقه» فيجوز إذا أريد به أن يكون الإنسان سببًا في إيصال رحمة الله المخلوقة إلى عباده بالإحسان والرحمة.
لا ينبغي أن يقال للمخلوق: «كن يد الله» أو «كن يد الله المانحة للخير»؛ لأن هذا التعبير يوهم نسبة صفة الله تعالى إلى المخلوق، كما قد يوهم أن المراد بـ«يد الله» القدرة أو القوة.
وهذا غير صحيح؛ فإن يد الله تعالى صفة ثابتة له سبحانه على الوجه اللائق بجلاله، وليست هي القدرة ولا النعمة ولا مجرد الإرادة.
وقد قرر أهل السنة إثبات الصفات الواردة في الكتاب والسنة على حقيقتها، من غير تكييف ولا تمثيل.
قال ابن عبد البر رحمه الله:
«أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك ولا يحدون فيه صفة محصورة».
فلا يصح أن يقال إن «يد الله» في هذا التعبير معناها قدرة الله أو رحمته؛ لأن ذلك يخرج اللفظ عن معناه الذي دلت عليه النصوص، ويفتح بابًا من الإشكالات العقدية واللفظية لا حاجة إليه.
والأولى لمن أراد الحث على فعل الخير أن يقول مثلًا:
«كن سببًا في نشر الخير»، أو «كن عونًا للمحتاجين»، أو «اجعل الله على يديك خيرًا لعباده».
فهذه العبارات أوضح وأسلم.
أما قول: «كن رحمة الله إلى خلقه»، فالأمر فيه مختلف؛ لأن الرحمة تطلق على صفة الله تعالى، كما تطلق على الرحمة المخلوقة التي جعلها الله بين عباده.
وقد ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:
«إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً وَاحِدَةً...».
رواه البخاري (6469).
وفي صحيح مسلم:
«إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ، أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ وَالْهَوَامِّ، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ...».
رواه مسلم (2725).
فالرحمة هنا نوعان من حيث الاعتبار:
وعلى هذا، فإذا قيل للإنسان: «كن رحمة الله إلى خلقه»، وأريد بذلك: كن سببًا في رحمة الله المخلوقة التي تصل إلى عباده، فارحم المحتاج، وأغث الملهوف، وأحسن إلى الناس؛ فلا يظهر في ذلك حرج.
مع جواز هذا المعنى في «كن رحمة الله إلى خلقه»، فإن الأولى اختيار الألفاظ الواضحة التي لا تثير إشكالات أو توهم معاني غير مقصودة.
فبدلًا من قول:
«كن يد الله المانحة للبر»
يمكن أن يقال:
«كن سببًا في إيصال الخير إلى عباد الله».
وبدلًا من:
«كن رحمة الله إلى خلقه»
يمكن أن يقال:
«كن رحيمًا بعباد الله، وسببًا في وصول رحمته وخيره إليهم».
وهذا أوضح وأبعد عن الاشتباه، خاصة في المنشورات العامة التي يقرأها أشخاص متفاوتون في العلم والفهم.
لا يصح أن يقال للمخلوق: «كن يد الله»؛ لأن يد الله تعالى صفة ثابتة له سبحانه، ولا يجوز صرفها إلى القدرة أو الرحمة، ولا إضافة صفة الله إلى المخلوق بهذا الأسلوب.
أما قول: «كن رحمة الله إلى خلقه»، فإذا كان المقصود أن يكون الإنسان سببًا في إيصال الرحمة المخلوقة إلى عباد الله من خلال الإحسان والعطف وقضاء الحوائج، فلا حرج في ذلك من حيث المعنى.
ومع ذلك، فالأولى استعمال العبارات الواضحة السليمة من الإشكال، وترك الألفاظ التي قد تشتبه على الناس.
والله أعلم.