الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
لا يصح تفسير استواء الله تعالى على العرش بأن المراد استواء أمره على العرش، ولا أن العرش هو موضع صدور الأوامر الإلهية. والصواب أن الله تعالى فوق عرشه، وأن الاستواء على العرش ثابت له على الوجه اللائق بجلاله، وقد فسره السلف بالعلو والارتفاع، من غير تكييف ولا تمثيل.
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس: 3].
فالذي وصفه الله تعالى بأنه يدبر الأمر هو الله سبحانه، وليس العرش؛ لأن الضمير في قوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ يعود إلى الله تعالى.
وعليه، فلا يصح القول إن العرش هو المكان الذي تصدر منه الأوامر الإلهية، أو أن أمر الله يحل في العرش أو يحتويه مخلوق من المخلوقات.
الاستواء على العرش من الصفات التي أثبتها الله تعالى لنفسه، والواجب إثباتها كما جاءت، مع تنزيه الله عن مماثلة خلقه.
وقد فسر السلف الاستواء بالعلو والارتفاع.
قال الإمام البخاري رحمه الله، ونقل عن أبي العالية ومجاهد في تفسير الاستواء أنه بمعنى الارتفاع والعلو على العرش.
وقال البغوي رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾: إن المراد به الارتفاع، ونقل ذلك عن ابن عباس وأكثر مفسري السلف.
وهذا هو المنهج الصحيح: إثبات ما جاء في النصوص، مع الإيمان بأن كيفية استواء الله تعالى لا يعلمها إلا الله، فلا يقال: كيف استوى؟ ولا يشبه استواؤه استواء المخلوقين.
قال تعالى:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].
لا.
فاشتراك شيئين في وصف من الأوصاف لا يعني تماثلهما في الحقيقة.
فالله تعالى وصف العرش بأنه عظيم، ووصف القرآن بأنه عظيم، كما وصف العرش بأنه مجيد، ووصف القرآن بأنه مجيد، ووصف العرش بأنه كريم، ووصف غيره من المخلوقات بالكَرَم أيضًا.
قال تعالى عن جبريل عليه السلام:
﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير: 19].
وقال عن عرش بلقيس:
﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: 23].
وقال عن القرآن:
﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: 21].
وقال:
﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: 77].
وقال:
﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ: 1-2].
فالمعنى يختلف بحسب الموصوف؛ فصفة المخلوق مخلوقة وتناسب المخلوق، وصفة الله تعالى تليق بالله ولا تشبه صفات المخلوقين.
لا يصح بناء العقيدة على قياس العرش على الورق الذي يُكتب عليه القرآن.
فالقرآن كلام الله تعالى، وهو غير مخلوق، وأما الورق والحبر والكتابة فهي مخلوقة. وكون كلام الله يُكتب في المصحف لا يعني أن كلام الله صار مخلوقًا أو أن صفة الكلام تحل في الورق على معنى الحلول.
وكذلك لا يصح الانتقال من ذلك إلى القول بأن أمر الله قد صار في العرش، ثم جعل هذا هو معنى استواء الله على العرش.
فهذه مقدمات لم يأت بها الكتاب ولا السنة، ولا قال بها السلف في تفسير الاستواء.
مسائل أسماء الله وصفاته من أعظم أبواب الدين، ولذلك لا يصح تفسير النصوص بمجرد الاحتمالات العقلية أو القياسات التي لم يرد بها دليل.
والقرآن والسنة هما الأصل في باب الاعتقاد، مع الرجوع إلى تفسير الصحابة والتابعين وأئمة أهل السنة، ومعرفة لغة العرب التي نزل بها القرآن.
ولهذا ينبغي لمن أراد أن يؤلف في مسائل العقيدة أن يتثبت من أقواله، وأن يعرض ما يكتبه على أهل العلم المتخصصين؛ حتى لا ينشر تفسيرًا غير صحيح ثم يتبعه الناس.
لا يصح القول إن معنى ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ هو أن أمر الله صار فوق العرش، ولا أن العرش هو مصدر الأوامر الإلهية.
والصواب أن الله تعالى استوى على العرش كما أخبر عن نفسه، واستواؤه حق يليق بجلاله، وقد فسره السلف بالعلو والارتفاع، من غير تكييف ولا تمثيل.
كما أن اشتراك القرآن والعرش أو غيرهما في بعض الأوصاف، كالعظمة والكرم والمجد، لا يعني التماثل بينهما؛ لأن كل صفة تناسب الموصوف بها.
والله أعلم.