الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
لا تعارض بين قول ابن مسعود رضي الله عنه: «والله عز وجل فوق الكرسي» وبين إثبات علو الله تعالى واستوائه على العرش؛ لأن العرش أعظم وأعلى من الكرسي، فإذا كان الله تعالى فوق العرش، فهو سبحانه فوق الكرسي من باب أولى. كما أن الروايات الواردة عن ابن مسعود في هذا الأثر يمكن الجمع بينها بحمل بعضها على الاختصار أو رواية المعنى.
روى البيهقي في الأسماء والصفات عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال في وصف السماوات والكرسي:
«بَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَالَّتِي تَلِيهَا خَمْسُمِائَةِ عَامٍ، وَبَيْنَ كُلِّ سَمَاءٍ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ، وَبَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَبَيْنَ الْكُرْسِيِّ خَمْسُمِائَةُ عَامٍ، وَبَيْنَ الْكُرْسِيِّ وَبَيْنَ الْمَاءِ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ، وَالْكُرْسِيُّ فَوْقَ الْمَاءِ، وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَوْقَ الْكُرْسِيِّ».
ووردت عنه رواية أخرى فيها ذكر العرش، وفيها:
«وَالْكُرْسِيُّ فَوْقَ الْمَاءِ، وَاللَّهُ تَعَالَى فَوْقَ الْعَرْشِ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْءٌ».
وقد أورد البيهقي الروايتين في الأسماء والصفات.
لا يلزم من اختلاف اللفظ وجود تعارض في المعنى.
فقد يكون بعض الرواة اختصر الرواية، فذكر الكرسي ولم يذكر العرش، بينما نقلها راوٍ آخر بصورة أطول فذكر العرش والكرسي معًا.
ويمكن أيضًا أن يكون بعض الرواة قد نقل الأثر بالمعنى، أو اقتصر على بعض ألفاظه.
وعلى تقدير ثبوت الرواية بلفظ «والله فوق الكرسي» دون أن يكون فيها اختصار، فلا تعارض كذلك بينها وبين إثبات علو الله تعالى واستوائه على العرش.
القول بأن الله تعالى فوق الكرسي لا ينافي كونه سبحانه فوق العرش؛ لأن العرش أعلى وأعظم من الكرسي.
وقد ورد في الحديث المشهور عن ابن عباس رضي الله عنهما:
«الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحد قدره».
وعلى القول بأن الكرسي غير العرش، فالكرسي دون العرش، فإذا ثبت أن الله تعالى فوق العرش، فإنه يكون فوق الكرسي أيضًا؛ لأن من كان فوق الأعلى كان فوق ما دونه.
ولهذا فلا إشكال في العبارة الواردة عن ابن مسعود رضي الله عنه من هذه الجهة.
اختلف أهل العلم في حقيقة الكرسي والعرش، فذهب بعضهم إلى أن العرش والكرسي شيء واحد، وعلى هذا القول لا يكون هناك إشكال أصلًا في اختلاف التعبير.
لكن الراجح عند كثير من أهل العلم أن العرش شيء، والكرسي شيء آخر، وأن العرش أعظم وأعلى من الكرسي.
وعلى هذا القول تكون الروايتان عن ابن مسعود متوافقتين أيضًا، لأن الله تعالى فوق العرش، وفوق الكرسي كذلك.
والواجب في هذا الباب إثبات ما ثبت من علو الله تعالى واستوائه على عرشه، مع تنزيهه سبحانه عن مشابهة خلقه.
قال الله تعالى:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].
فإثبات علو الله تعالى لا يعني تشبيهه بالمخلوقين، كما أن إثبات استوائه على العرش لا يقتضي أن يكون استواؤه كاستواء المخلوق.
لا تعارض بين رواية ابن مسعود رضي الله عنه: «والله عز وجل فوق الكرسي»، وبين إثبات أن الله تعالى فوق العرش ومستوي عليه.
فإما أن تكون رواية «فوق الكرسي» مختصرة من الرواية الأطول التي ذكرت العرش، وإما أن تكون مستقلة، ولا تعارض فيها؛ لأن الله تعالى فوق العرش، والعرش أعلى وأعظم من الكرسي، فمن كان فوق العرش فهو فوق الكرسي من باب أولى.
والراجح أن العرش والكرسي شيئان مختلفان، والعرش أعظم وأعلى من الكرسي.
والله أعلم.