الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
الفرح ثابت لله تعالى بنصوص السنة الصحيحة، وهو صفة حقيقية تليق بجلاله وكماله، ولا يشبه فرح المخلوقين. ولا يلزم من ثبوت الفرح لله تعالى أن يكون سببه أمرًا كان مجهولًا له سبحانه؛ فالله تعالى يعلم الأشياء قبل وقوعها، وفرحه بتوبة عبده لا يتضمن جهلًا ولا حدوث علم لم يكن موجودًا.
ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:
«لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ، وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هِيَ قَائِمَةٌ عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ».
رواه البخاري (6308) ومسلم (2747).
أما اللفظ الذي فيه تشبيه فرح الله بتوبة عبده بفرح العقيم بالولد، والضال بالواجد، والظمآن بالوارد، فلم يثبت، وقد ضعفه الألباني.
الإشكال ينشأ من قياس صفة الله تعالى على صفات البشر.
فالإنسان قد يفرح بأمر لأنه لم يكن يعلم هل سيقع أم لا، وقد يفرح بأمر كان يعلمه وينتظره أيضًا. وليس الفرح ملازمًا للجهل أو لحدوث العلم.
والأهم من ذلك أن فرح الله تعالى ليس كفرح المخلوقين أصلًا؛ لأن صفات الله سبحانه كاملة تليق بجلاله، وصفات المخلوق ناقصة محدودة.
قال تعالى:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].
فكما نثبت لله السمع والبصر والعلم والرحمة والمحبة والرضا والغضب، مع اعتقادنا أن شيئًا من ذلك لا يشبه صفات المخلوقين، فكذلك نثبت له الفرح على الوجه اللائق به.
الله تعالى يعلم جميع الأشياء قبل وقوعها، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
فإذا تاب العبد، فإن الله تعالى يعلم مسبقًا أنه سيتوب، ويعلم وقت توبته وحالَه عندها، ومع ذلك ثبت في الحديث أنه يفرح بتوبته.
ولا يوجد في ذلك أي تناقض؛ لأن الفرح ليس معناه أن الله تعالى اكتشف أمرًا لم يكن يعلمه.
بل المقصود إثبات صفة الفرح لله تعالى كما أثبتها رسوله ﷺ، من غير تكييف ولا تشبيه.
وقد قرر أهل السنة أن صفات الله تعالى لا تُقاس بصفات المخلوقين، بل يثبت منها ما جاء به الكتاب والسنة، مع تنزيه الله عن مماثلة خلقه.
قال تعالى:
﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 74].
كما أننا لا نعلم كيفية ذات الله تعالى، فلا نعلم كيفية صفاته.
فنحن نعلم معنى الفرح في أصل اللغة، ونعلم أنه ثابت لله تعالى بالنص، لكننا لا نعلم كيفية فرح الله، ولا يجوز أن نتخيله على هيئة فرح الإنسان أو نقيسه عليه.
ولهذا قال أهل العلم في صفات الله: نثبتها كما جاءت، من غير تشبيه ولا تكييف ولا تعطيل.
فالقاعدة الجامعة هي قوله سبحانه:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].
فأثبت لنفسه الصفات، ونفى عن نفسه المماثلة في الوقت نفسه.
ثبت في السنة الصحيحة أن الله تعالى يفرح بتوبة عبده، وهذا الفرح صفة حقيقية تليق بجلال الله وكماله. ولا يتعارض ذلك مع علمه السابق بتوبة العبد؛ لأن فرح الله ليس ناشئًا عن جهل سابق أو اكتشاف أمر لم يكن يعلمه، وإنما هو صفة من صفاته التي نثبتها كما جاءت، من غير تشبيه ولا تكييف.
والواجب أن نؤمن بما أخبر الله به عن نفسه، وما أخبر به عنه رسوله ﷺ، وأن نترك البحث في كيفية صفاته، فإن الله تعالى لا يشبه خلقه في ذاته ولا في صفاته.
والله أعلم