الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
الأصل في باب أسماء الله وصفاته أن يُثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ، من غير تكييف ولا تمثيل، ولا تحريف ولا تعطيل. وثبتت صفة النزول لله تعالى بالأحاديث الصحيحة، أما لفظا «الهبوط» و«التدلي» فالكلام فيهما يرجع إلى ثبوت اللفظ في النصوص، مع كون معنى التدلي قريبًا من معنى النزول. وكذلك ثبت القرب والدنو في النصوص، لكن ينبغي التفريق بين الألفاظ الثابتة وبين العبارات المحتملة التي تحتاج إلى تقييد وبيان.
ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:
«يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ».
رواه البخاري (1145) ومسلم (758).
فالواجب إثبات النزول لله تعالى على الوجه اللائق به، من غير أن نشبه نزوله بنزول المخلوقين، ومن غير أن نبحث عن كيفيته.
والإيمان بالنزول لا يتعارض مع إثبات علو الله تعالى واستوائه على عرشه؛ فالله سبحانه يفعل ما يشاء، ولا يقاس بأفعال المخلوقين.
ورد لفظ «يهبط» في بعض روايات حديث النزول، وورد لفظ «التدلي» في بعض الروايات.
أما لفظ التدلي فمعناه في اللغة قريب من النزول؛ قال أبو السعادات: التدلي هو النزول من العلو، وقال ابن حجر: أصل التدلي النزول إلى الشيء حتى يقرب منه.
لكن ينبغي التفريق بين صحة المعنى وبين ثبوت اللفظ الذي يوصف الله تعالى به.
فمن ثبت عنده ورود لفظ التدلي عن النبي ﷺ في حديث صحيح، جاز له استعماله على الوجه اللائق بالله، ومن لم يثبت عنده ذلك فالأسلم أن يقتصر على اللفظ الصحيح الثابت، وهو النزول.
أما حديث المعراج الذي ورد فيه: «ودنا الجبار تبارك وتعالى فتدلى»، فقد تكلم أهل العلم في هذه الزيادة، ورجح جماعة منهم أن نسبة الدنو والتدلي إلى الله تعالى في هذا الموضع من رواية شريك التي خالف فيها غيره من الرواة، وأن المراد في آيات سورة النجم هو دنو جبريل عليه السلام.
ولهذا فالأحوط في هذا الموضع ألا يُبنى إثبات صفة مستقلة لله على هذه اللفظة المختلف فيها، مع أن أصل صفة النزول ثابت بالأحاديث الصحيحة.
ثبت قرب الله تعالى من عباده في الكتاب والسنة.
قال سبحانه:
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186].
وقال تعالى:
﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: 61].
وثبت عن النبي ﷺ أنه قال:
«أَيُّهَا النَّاسُ، أَرْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، وَلَكِنْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا».
رواه البخاري ومسلم.
فالقرب ثابت، ولا يلزم منه أن يكون الله تعالى حالًّا في خلقه أو مختلطًا بهم، بل هو سبحانه فوق عرشه، ومع ذلك يقرب من بعض خلقه كما يشاء، على الوجه الذي يليق بجلاله.
أما تقرب العبد إلى الله فهو ثابت، ويكون بالطاعات والإيمان والعبادات.
قال النبي ﷺ في الحديث القدسي:
«وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا، تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا، تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا...».
رواه مسلم.
وقد اختلف أهل العلم في تفسير تقرب الله المذكور في الحديث: فقيل هو على حقيقته اللائقة بالله، وقيل المراد به تقرب خاص يترتب على تقرب العبد بالطاعة، أي أن الله يثيبه ويكرمه ويقربه منه على وجه لا نعلم كيفيته.
والأولى في التعامل مع هذه النصوص ألا يُحمّل اللفظ ما لا يحتمل، بل يُثبت ما جاء به النص، مع تنزيه الله عن مشابهة خلقه.
ثبت كذلك أن الله تعالى يدني بعض عباده، كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال:
«إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ، فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ...».
رواه البخاري (2441) ومسلم.
فإدناء الله لعبده المؤمن ثابت بالنص، ولا يجوز أن يُتصور على صورة قرب المخلوق من المخلوق.
لا تعارض بين إثبات علو الله تعالى وبين إثبات نزوله وقربه ودنوه.
فالله سبحانه فوق عرشه، وهو قريب من عباده كما أخبر عن نفسه، وينزل إلى السماء الدنيا كما ثبت عن النبي ﷺ، ولا يجوز قياس أفعال الله تعالى على حركة المخلوقين أو تصور كيفيتها بعقولنا.
والقاعدة الجامعة في ذلك قوله تعالى:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].
فنثبت ما ثبت، وننفي مماثلة المخلوقين، ولا نتكلف البحث عن الكيفية.
صفة النزول ثابتة لله تعالى بالأحاديث الصحيحة، وأما «الهبوط» و«التدلي» فينظر في ثبوت الألفاظ الواردة بهما، ومعنى التدلي قريب من النزول. والأحوط عند عدم ثبوت اللفظ أن يقتصر المسلم على اللفظ الثابت.
أما القرب والدنو والتقريب فقد ثبتت في نصوص صحيحة، ويجب إثباتها على الوجه اللائق بالله تعالى، دون تشبيه أو تكييف، ودون أن يلزم من ذلك نفي علو الله على خلقه.
وفي دراسة هذا الباب يُنصح بالرجوع إلى كتب العقيدة المبنية على نصوص الكتاب والسنة وكلام أئمة السلف، مع الحذر من الكتب التي تقوم على التأويلات الكلامية أو تخلط بين إثبات الصفات ونفي مشابهة المخلوقين.
والله أعلم.