الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
لا يوصف الله تعالى بأنه «يفكر»، ولا يقال: إن من صفاته التفكير؛ لأن أسماء الله وصفاته توقيفية، ولأن لفظ التفكير يتضمن في الاستعمال المعتاد معنى إعمال النظر والانتقال من مقدمات إلى نتائج للوصول إلى علم لم يكن حاضرًا، وهذا من أحوال المخلوقين، والله سبحانه كامل العلم، لا يسبقه جهل ولا يلحق علمه نقص.
الأصل في أسماء الله تعالى وصفاته أن لا يثبت منها إلا ما جاء به الكتاب والسنة، فلا نطلق على الله اسمًا أو صفة لم يرد بها دليل شرعي.
وقد نقل السفاريني رحمه الله عن الإمام أحمد أن الله تعالى لا يوصف إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ، ولا يتجاوز القرآن والحديث.
وهذا هو أصل مهم في باب أسماء الله وصفاته: نثبت ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله ﷺ، وننفي عنه ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ، ولا نتجاوز النصوص بالألفاظ المحدثة.
وليس من أسماء الله تعالى: «المفكر»، ولا ثبتت صفة التفكير في حقه سبحانه.
الله سبحانه موصوف بكمال العلم، ومن أسمائه العليم والعالم، وعلمه محيط بكل شيء.
قال تعالى:
﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: 3].
فعلم الله تعالى لا يسبقه جهل، ولا يحتاج إلى استحضار المعلومات بعد غيابها، ولا إلى البحث والنظر حتى يصل إلى نتيجة.
أما الإنسان فقد يواجه أمرًا يجهل حقيقته، فيجمع المعلومات، وينظر في الاحتمالات، ويقارن بينها، ثم يصل إلى رأي أو قرار. وهذا هو معنى التفكير في الاستعمال المعتاد.
أما الله سبحانه فعلمه كامل أزلي محيط، فلا يحتاج إلى شيء من ذلك.
التفكير في أصله عند البشر مرحلة من مراحل الوصول إلى العلم؛ فقد يتأمل الإنسان، ويتذكر، ويستحضر المقدمات، ويقارن بينها، ثم يصل إلى نتيجة لم تكن حاضرة له قبل ذلك.
ولهذا كان الفكر متعلقًا بالانتقال بين المعلومات والمقدمات للوصول إلى المطلوب.
وهذه المعاني لا تليق بعلم الله سبحانه؛ لأن الله لا يستفيد علمًا جديدًا من التفكير، ولا ينتقل من جهل إلى علم، ولا من تردد إلى يقين.
ومن هنا فالقول بأن الله «يفكر قبل أن يتخذ القرار» قول غير صحيح؛ لأنه يوهم أن الله سبحانه يحتاج إلى مرحلة نظر واستحضار حتى يعلم ما هو الأصلح، وهذا منزه عنه جل وعلا.
لا، وهذه نقطة مهمة جدًا.
نفي التفكير عن الله لا يعني نفي الحكمة عن أفعاله.
فالله سبحانه حكيم، وأفعاله كلها قائمة على العلم والحكمة والقدرة والإرادة، لكنه لا يحتاج إلى التفكير البشري حتى تكون أفعاله حكيمة.
فهو سبحانه يعلم ما كان وما يكون، ويعلم ما فيه الحكمة والمصلحة، ويقدر الأشياء بعلمه وحكمته.
ولهذا ينبغي التفريق بين قولنا:
باب الإخبار عن الله أوسع من باب الأسماء والصفات من حيث الأصل، لكن ليس كل لفظ صح الإخبار به من جهة اللغة يصح إطلاقه إذا كان متضمنًا لمعنى فاسد أو موهمًا لمعنى لا يليق بالله.
ولفظ «التفكير» في الاستعمال المعروف يتضمن معاني الحاجة إلى النظر، واستحضار المقدمات، والانتقال من المعلوم إلى المجهول أو من التردد إلى الترجيح؛ ولذلك لا ينبغي وصف الله تعالى به، لا على سبيل التسمية ولا على سبيل الإخبار.
والأولى أن نستعمل الألفاظ الشرعية الواضحة، فنقول:
الله تعالى عليم حكيم، يعلم كل شيء، ولا يخفى عليه شيء، وأفعاله كلها واقعة على الحكمة.
لا يصح وصف الله تعالى بأنه «يفكر»، ولا إثبات صفة التفكير له سبحانه.
والسبب ليس مجرد أن التفكير نقص في كل صورة، وإنما لأن التفكير في معناه المعروف من خصائص المخلوق الذي يحتاج إلى النظر والاستدلال واستحضار المعلومات للوصول إلى نتيجة، والله تعالى كامل العلم، لا يسبقه جهل ولا يحتاج إلى اكتساب علم جديد.
وفي الوقت نفسه، يجب إثبات أن الله سبحانه حكيم في أفعاله وأحكامه، وأن قضاءه وتقديره يجريان بعلمه وحكمته وقدرته وإرادته، من غير أن نثبت له ما لم يثبت في الكتاب والسنة.
والله أعلم.