الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
لا تدل الآية على أن جميع المخلوقات متساوية في الجمال أو خالية من العيوب الظاهرة، وإنما تدل على كمال إتقان خلق الله، وحكمته، ووضع كل مخلوق في الصورة التي تناسب الغاية التي خلقه الله لها.
ما المقصود بقوله تعالى: ﴿أحسن كل شيء خلقه﴾؟
ذكر أهل التفسير في معنى الآية قولين مشهورين:
ولهذا قال بعض السلف: ليست كل المخلوقات جميلة في نظر الناس، لكنها جميعًا متقنة ومحكمة الصنع.
كيف نفهم وجود التشوهات أو تفاوت الجمال؟
وجود بعض المخلوقات المشوهة أو تفاوت الناس في الجمال لا يناقض الآية؛ لأن الحسن ليس مقصورًا على جمال الشكل، بل يشمل الإتقان والحكمة المناسبة لكل مخلوق.
كما أن الجمال نفسه درجات، فما نراه أقل جمالًا قد يكون في موضعه أكمل وأنسب مما لو خلق على هيئة أخرى.
فالإنسان لم يُخلق كالحيوان، والحيوان لم يُخلق كالطير، ولكل مخلوق خصائص تناسب وظيفته في هذا الكون.
هل كان يمكن أن يخلق الله الخلق بصورة أفضل؟
الله سبحانه على كل شيء قدير، لكنه لا يفعل شيئًا عبثًا، بل يخلق كل شيء وفق حكمته البالغة.
فليس المقصود أن الله عاجز عن خلق صورة أخرى، وإنما أن الصورة التي اختارها هي الأكمل لتحقيق الحكمة التي أرادها.
ولهذا خلق الله الملائكة على هيئة تختلف عن البشر، والبشر على هيئة تختلف عن سائر المخلوقات، ولكل منهم وظيفة تناسب خلقته.
فالكمال هنا هو كمال المناسبة للحكمة، لا مجرد صورة واحدة يشترك فيها جميع الخلق.
كيف نفهم وجود الشرور والأمراض؟
كل ما خلقه الله داخل في علمه وحكمته، حتى ما نراه شرًا أو ألمًا.
فالمرض، والابتلاء، والمصائب، والآلام ليست شرورًا محضة، بل قد يترتب عليها من الحكم والمصالح ما هو أعظم، مثل:
ولهذا فالشر الموجود في بعض المخلوقات أو الأحداث شر جزئي إضافي، وليس شرًا محضًا من جميع الوجوه، بل يدخل ضمن حكمة الله الشاملة.
لماذا لا يُنسب الشر إلى الله على وجه الانفراد؟
الله سبحانه خالق كل شيء، خيره وشره، لكن الشر لا يُنسب إليه على وجه المدح أو الاستقلال، لأن أفعاله كلها قائمة على الحكمة والعدل.
فالشر الذي يقع في بعض المخلوقات إنما يكون بالنسبة إلى العبد أو من جهة معينة، أما من جهة خلق الله وتقديره فهو داخل في حكمته البالغة التي قد تخفى على الإنسان.
الخلاصة
قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ معناه أن الله أتقن خلق جميع المخلوقات، ووضع كل مخلوق في الصورة التي تحقق الحكمة التي خلق لأجلها. ولا يناقض ذلك وجود تفاوت في الجمال، أو وقوع الأمراض والابتلاءات؛ لأن الكمال المقصود هو كمال الإتقان والحكمة، لا مجرد جمال الصورة. وكل ما يقدره الله فهو واقع بعلمه وحكمته، وإن خفيت بعض حكمه على العباد.
والله أعلم