احاديث
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (من سلك طريقًا يلتمسُ فيه علمًا، سهَّل اللهُ له طريقًا إلى الجنَّةِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (مَن يُرِدِ اللهُ بِه خَيرًا يُفقِّهْهُ في الدِّينِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (طلَبُ العِلمِ فَريضةٌ علَى كلِّ مُسلِمٍ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (إذا مات الإنسانُ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ؛ صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنتَفَعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدْعو له)
العقيده الاسلاميه توحيد الالوهيه في الاسلام 1201 2026-09-02

هل من كمال محبة الله أن يتخلى الإنسان عن المحبة الطبيعية؟

السؤال
هل الأكمل في محبة الله أن يتخلص الإنسان من المحبة الطبيعية للزوجة والولد والمال ونحو ذلك، فلا يحب شيئًا إلا بقدر ما يقربه إلى الله؟ أم أن هذه المحبة الفطرية جائزة ولا تتعارض مع كمال محبة الله؟
الإجابة

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

المحبة الطبيعية للزوجة والولد والطعام والمال ونحو ذلك من الأمور التي فطر الله الإنسان عليها، وليست نقصًا في محبة الله، ولا يُطلب من المسلم التخلص منها. وإنما الكمال أن تكون محبة الله تعالى هي المحبة العليا الحاكمة على سائر أنواع المحبة، فلا يقدم الإنسان محبوبًا على ما يحبه الله ويرضاه.

أولًا: المحبة ليست نوعًا واحدًا

المحبة لها أنواع ومراتب، ومن أهمها:

  • محبة الله تعالى، وهي أصل العبادة وأعظم أنواع المحبة.
  • المحبة في الله ولله، كمحبة الأنبياء والصالحين والأعمال التي يحبها الله.
  • المحبة الطبيعية الفطرية، كمحبة الإنسان لزوجته وولده والطعام والشراب والمسكن ونحو ذلك.

وهذا النوع الأخير ليس عبادة في ذاته، وليس مذمومًا ما دام في حدوده المشروعة.

وقد خلق الله في الإنسان هذه الميول لحِكَم ومصالح عظيمة؛ فمحبة الطعام سبب لحفظ البدن، ومحبة الزوجين بعضهما لبعض سبب لاستمرار الأسرة والنسل، ومحبة الأبناء مرتبطة بالرحمة والرعاية والتربية.

ثانيًا: ليس الكمال في التخلص من المحبة الطبيعية

ليس صحيحًا أن كمال العبودية يقتضي اقتلاع المحبة الفطرية من القلب أو أن يحب الإنسان زوجته وولده فقط باعتبارهم وسيلة مجردة للوصول إلى الله.

فالله سبحانه هو الذي جعل بين الزوجين المودة والرحمة، فقال:

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾
[الروم: 21]

فوجود المودة الطبيعية بين الزوجين أمر جعله الله من آياته، وليس شيئًا مطلوبًا من الإنسان التخلص منه.

وكذلك أحب النبي ﷺ أهله وأصحابه وأشياء من طيبات الدنيا، وثبت أنه لما سُئل:

«أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة»
[متفق عليه]

وهذا يدل بوضوح على أن المحبة الطبيعية لا تتعارض مع كمال العبودية لله.

ثالثًا: متى تكون المحبة الطبيعية محمودة أو مذمومة؟

المحبة الطبيعية لها ثلاث حالات:

الأولى: أن تكون عونًا على طاعة الله

كأن يحب الإنسان زوجته، فيحسن عشرتها ويعف نفسه وإياها عن الحرام، أو يحب أبناءه فيعتني بتربيتهم وتعليمهم الخير.

فهذه المحبة تصبح سببًا للأجر إذا اقترنت بالنية الصالحة.

الثانية: أن تكون مجرد ميل طبيعي مباح

كأن يحب الإنسان طعامًا معينًا، أو يحب أهله بحكم الفطرة والألفة دون أن يقصد بذلك عبادة خاصة.

فهذه المحبة مباحة، فلا يأثم بها ولا يجب عليه التخلص منها.

الثالثة: أن تزاحم محبة الله

وهنا تكون المحبة مذمومة، كما لو حمل حب المال أو الزوجة أو الولد الإنسان على ترك واجب أو ارتكاب محرم.

قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾
[المنافقون: 9]

فالذم هنا ليس لمجرد محبة الأموال والأولاد، وإنما لأن هذه المحبة أصبحت سببًا في الإلهاء عن طاعة الله.

رابعًا: ما وجه الكمال في المحبة؟

الكمال ليس في إلغاء المحبة الطبيعية، وإنما في ترتيب المحبوبات ترتيبًا صحيحًا.

فيحب المسلم زوجته وولده ووالديه وأصدقاءه حبًا طبيعيًا، لكنه يجعل محبة الله ورسوله وطاعتهما مقدمة إذا وقع تعارض.

قال الله تعالى:

﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾
[التوبة: 24]

فالآية لم تمنع محبة الزوجة والأبناء والمال والمساكن، وإنما حذرت من تقديم هذه المحبوبات على محبة الله ورسوله.

خامسًا: هل الأفضل أن يجعل المسلم المحبة الطبيعية عبادة؟

نعم، من الكمال أن يحاول الإنسان توجيه محبته الطبيعية إلى ما يرضي الله.

فمحبة الزوجة يمكن أن تدفع إلى حسن العشرة والقيام بحقوقها، ومحبة الأبناء إلى تربيتهم ورحمتهم وتعليمهم الخير، ومحبة المال إلى كسب الحلال والإنفاق على الأهل والصدقة.

وبذلك تتحول المحبة الطبيعية من مجرد أمر مباح إلى سبب في زيادة الأجر.

لكن هذا لا يعني أن الإنسان إذا أحب زوجته لمجرد الألفة والجمال وحسن الصحبة، أو أحب ولده لمجرد عاطفة الأبوة، يكون ناقص الإيمان أو مذمومًا.

سادسًا: لا ينبغي تكليف النفس بإلغاء الفطرة

لا يطلب الشرع من الإنسان أن يتعامل مع زوجته وولده كأنهم مجرد وسائل مجردة للوصول إلى الله، ولا أن يقاوم كل شعور طبيعي في قلبه.

بل الشريعة جاءت بتهذيب الفطرة وتوجيهها، لا بإلغائها.

فالمطلوب أن تكون المحبة الطبيعية تحت سلطان الشرع؛ فيحب الإنسان، ويرحم، ويأنس، ويشتاق، لكن لا تحمله هذه المشاعر على مخالفة أمر الله.

الخلاصة

ليس من كمال محبة الله أن يتخلص الإنسان من المحبة الطبيعية للزوجة والولد وغيرهما؛ فهذه محبة فطرية أودعها الله في الإنسان، وهي في أصلها مباحة.

وإنما الكمال أن:

  • تبقى محبة الله تعالى أعظم محبة في القلب.
  • لا تُقدَّم المحبة الطبيعية على طاعة الله عند التعارض.
  • تُوجَّه محبة الزوجة والولد وغيرهما إلى الخير والطاعة قدر الاستطاعة.
  • لا يكلّف الإنسان نفسه التخلص من المشاعر الفطرية التي لم يطالبه الشرع بإلغائها.

فأحب أهلك حبًا طبيعيًا، وارحمهم واستمتع بصحبتهم وأحسن إليهم، واجعل محبة الله هي التي توجه هذه المحبة وتحكمها، لا التي تلغيها.

والله أعلم