الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
لا حرج في قول «عين الله ترعاك» إذا كان المقصود الدعاء بأن يحفظ الله الإنسان ويرعاه ويكلأه، وأن يكون تحت رعايته وحفظه وبمرأى منه. وهذا المعنى له أصل في النصوص، مع إثبات صفة العين لله تعالى على الوجه اللائق به، من غير تشبيه بعيون المخلوقين ولا تكييف لها.
ما معنى «عين الله ترعاك»؟
المقصود بهذه العبارة ليس أن عين الله منفصلة عنه وتتولى الحفظ بنفسها، وإنما هي دعاء لله بالحفظ والرعاية.
فمعنى قولك لشخص: «عين الله ترعاك» قريب من قولك:
«حفظك الله ورعاك»، أو «جعلك الله في حفظه ورعايته».
وهو استعمال مرتبط بما جاء في القرآن من التعبير عن الرعاية والحفظ بالعين.
ما أصل هذا المعنى في القرآن؟
قال الله تعالى لموسى عليه السلام:
﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾
[طه: 39]
وقد نقل ابن كثير عن عدد من السلف تفسير قوله: ﴿عَلَى عَيْنِي﴾ بمعاني التربية والرعاية مع رؤية الله له.
وقال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ:
﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾
[الطور: 48]
وقال سبحانه عن سفينة نوح عليه السلام:
﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾
[القمر: 14]
فهذه الآيات تدل على معنى الرعاية والحفظ والمراقبة.
هل معنى الآيات أن الإنسان موجود داخل عين الله؟
لا.
فقوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ لا يعني أن النبي ﷺ موجود داخل عين الله، كما أن قوله عن السفينة: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ لا يعني أنها تجري داخل العين.
وإنما المعنى أنها تجري برعاية الله وحفظه ومرأى منه.
وكذلك قوله لموسى عليه السلام: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾، أي على مرأى من الله وتحت رعايته وحفظه.
هل العبارة تثبت صفة العين لله؟
بحسب ما تقرره الفتوى، فإن النصوص السابقة تتضمن إثبات صفة العين لله تعالى، مع إثبات ما تدل عليه هذه النصوص في سياقها من الرؤية والحفظ والرعاية.
لكن إثبات العين لله لا يعني تشبيهها بعين الإنسان أو غيره من المخلوقات.
فالقاعدة في صفات الله قوله سبحانه:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
[الشورى: 11]
فنثبت ما أثبته الله لنفسه، مع نفي المماثلة وعدم الخوض في الكيفية.
هل «عين الله ترعاك» دعاء للعين أم لله؟
المقصود الصحيح من العبارة هو دعاء الله تعالى بأن يتولى الشخص برعايته وحفظه، وليس توجيه الدعاء إلى صفة العين باعتبارها شيئًا مستقلًا عن الله.
وهذا التفريق مهم؛ لأن صفات الله ليست ذواتًا مستقلة عنه تُدعى من دونه.
ولهذا ينبغي فهم العبارة على معناها العربي المعروف: «رعاك الله وحفظك وكان لك حافظًا».
وقد سئل الشيخ عبد الرحمن البراك عن بعض التعبيرات العامية مثل «عين الله عليه»، فذكر أن معناها صحيح إذا أريد بها أن يحرسه الله ويحفظه ممن يريد به سوءًا، وأن قول «عين الله ترعاك» دعاء.
هل الأفضل استعمالها أم قول «حفظك الله»؟
العبارة جائزة بالمعنى السابق، لكن إذا خشي الإنسان أن تُفهم بطريقة خاطئة، فالألفاظ المباشرة أوضح، مثل:
«حفظك الله»، أو «رعاك الله»، أو «جعلك الله في حفظه ورعايته».
ولا يعني ذلك أن عبارة «عين الله ترعاك» ممنوعة، وإنما الألفاظ الواضحة قد تكون أنسب عندما يكون المخاطب غير مطلع على معاني نصوص الصفات.
الخلاصة
يجوز قول «عين الله ترعاك» على سبيل الدعاء، إذا كان المراد أن يحفظ الله الشخص ويرعاه ويكون بمرأى منه وتحت عنايته.
ولهذا المعنى أصل في قوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: 39]، وقوله: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: 48].
وبحسب الفتوى، تتضمن النصوص إثبات صفة العين لله على الوجه اللائق به، دون تشبيه أو تكييف، أما الرعاية والحفظ فهما من المعاني التي يدل عليها السياق.
والله أعلم.